Steinmeier_3-14

"عصر الأزمات المعقدة"

السياسة الخارجية والأمنية للاتحاد الأوروبي – وزير الخارجية الألمانية شتاينماير في حوار

سيادة الوزير، طالما اعتُبِر الاتحاد الأوروبي على المستوى العالمي "عملاق اقتصادي"، إلا أنه لا يتمتع الناحية السياسية بوزن كبير يتناسب مع الحجم الاقتصادي. هل تغير هذا الأمر بشكل ملموس مع إيجاد منصب جديد هو "الممثل الأعلى للاتحاد للسياسة الخارجية والأمنية"؟

يتحول الاتحاد الأوروبي باستمرار إلى قوة عالمية مستقرة على الصعيد السياسي والاقتصادي والثقافي، حيث يتحول إلى منطقة التوازن والاستقرار، التي تساهم بشكل فعال في إرساء السلام والأمن. وهذا يسري بشكل رئيسي عندما ننجح في توحيد قوانا وجهودنا ونتحدث بلسان واحد. ولكن بسبب تعدد ثقافات وتقاليد واهتمامات الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، فإن هذه المهمة ليست بالسهلة إطلاقا. لهذا السبب كان من المهم الإقدام على شيء جديد من خلال مفوض السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي: مع إدارة السياسة الخارجية الأوروبية، التي تضم دبلوماسيين متميزين من مختلف مناطق وبلدان أوروبا، ومع موارد المفوضية الأوروبية التي يمكن للمفوضية العليا التصرف بها، تم إرساء قواعد متينة وثابتة لسياسة أوروبية خارجية فاعلة. بهذا بات بإمكان المفوضية العليا التقريب بين الاتجاهات ووجهات النظر المتعلقة بالسياسة الخارجية للبلدان الأعضاء البالغ عددها 28 بلدا، وتمثيلها. وفي ذات الوقت حصلت السياسة الخارجية الأوروبية على وجهة واضحة ومعالم محددة، باتت تحظى بالاحترام والتقدير على المستوى العالمي.

أية مبادرات مشتركة على صعيد السياسة الخارجية حققت نجاحات ملحوظة حتى الآن؟

من حيث البنية حققنا نجاحا على صعيد بناء إدارة أوروبية موحدة وفعالة للسياسة الخارجية، تضم ما يزيد عن 3500 موظف و140 بعثة أوروبية منتشرة في شتى أنحاء العالم. كان لابد هنا من تجاوز تعدد اللغات وأساليب العمل واختلاف العقليات، التي تشكل بتنوعها واختلافها أيضا الكثير من الإغناء. فيما يتعلق بعدم وضوح مسألة التسلح في إيران يوجد رأي أوروبي واضح موحد. مفاوضات E3+3 مع إيران اكتسبت زخما جديدا وأهدافا واضحة من خلال قيادة المفوضة العليا كاثرين آشتون لها. كما أنني هنا لا أريد التغافل عن الحوار السياسي بين كوسوفو وصربيا. بدون هذا الحوار لم يكن بالإمكان عودة الهدوء إلى كوسوفو، كما لم يكن حتى مجرد التفكير بمشروع الاندماج في شمال كوسوفو ممكنا. تقارب كل من صربيا وكوسوفو نحو الاتحاد الأوروبي هو أيضا من ثمرات عمل المفوضة العليا آشتون.

السياسة الخارجية والأمنية المشتركة للاتحاد الأوروبي، اختصارا GASP، موجودة إذا "إلى جانب" السياسة الخارجية الفردية للبلدان الأعضاء. إلا أن هذه البلدان مجبرة على عدم القيام بأي شيء يمكن أن يتعارض مع هذه السياسة المشتركة، وهو ما يعتبر تناقضا واضحا. هل يمكن بالفعل الحفاظ على مبدأ السياسة الخارجية الموحدة الذي يضم 28 بلدا عضوا، تتبع كل منها سياستها الخارجية الخاصة بها؟

من الأمور البديهية في الاتحاد الأوروبي ألا يتبنى أحد الأعضاء ما يتعارض مع اتجاهات ومصالح البلدان الأخرى. المواقف المشتركة التي يمكن التوصل إليها، تغدو مواقف موحدة نواجه بها بقية العالم. يمكن القول أن GASP موجودة ليس إلى جانب، وإنما مع السياسة الخارجية الوطنية لكل من الأعضاء. في كل يوم يجري العمل على "السياسة الخارجية الأوروبية" في بروكسل وفي عواصم الدول الأعضاء جميعا. الموقف الموحد لا يهبط علينا من السماء، وإنما يكون في الكثير من الأحيان نتيجة مباحثات عسيرة وأفكار متعارضة أيضا. أجل، في النهاية غالبا ما يتم التوصل إلى حلول وسط، تلبي جزءا من مطالب وآمال كل من الأعضاء، إلا أنها تكون قاعدة لاستمرار العمل المشترك. خذ على سبيل المثال أوكرانيا: لا أفشي سرا في القول أن بعض أعضاء الاتحاد كانوا يرغبون في مواجهة حادة وصارمة مع روسيا، أكثر من أعضاء آخرين. ولكن المهم هنا هو أننا نجحنا في النهاية في اتخاذ موقف مشترك وحافظنا على وحدة الصف.

ما الذي يجب عمله من وجهة نظركم من أجل رفع كفاءة وفعالية العمل على صعيد السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي وإمكانات تحسين أداء السياسة الخارجية الأوروبية؟

بعد بناء EAD تأتي الآن بالتأكيد الخطوة التالية وهي الدمج والتوطيد. البنى الأساسية للعمل المشترك بين المؤسسات والدول الأعضاء يجب أن يتم توطيدها وتحسينها وتحصينها من الناحية العملية. وعلى ضوء أحوال الموازنات العامة لا يمكن التعويل على مزيد من الموارد المالية لهذا الغرض. تمتلك أوروبا مجتمعة اليوم موارد كبيرة. رغم ذلك يتوجب علينا استخدام الموارد المتاحة بأعلى درجة ممكنة من الكفاءة والفعالية. ثم علينا أيضا تطوير وتحسين عمليات التصويت والاتفاق على آليات السياسة الخارجية المتعددة. الوسائل موجودة، إلا أنها غالبا ما تولد آثارا لاحقة بعد استخدامها. هناك أمثلة على النجاح: في مناطق القرن الأفريقي نجحنا على سبيل المثال في كبح جماح القرصنة البحرية بفضل العديد من المهمات المدنية والعسكرية، ونقوم الآن بتقديم مساعدات التنمية وأعمال إعادة البناء الاقتصادي. مثل هذا النشاط الخارجي الموحد هو الهدف، وهو يتطلب تواصل وتبادل مستمر بين إدارة السياسة الخارجية الأوروبية والمفوضية الأوروبية والفاعلين في كافة الدول الأعضاء.

وزيرة الخارجية الإيطالية فيديريكا موغيريني حتى الآن، هي مفوضة السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي الجديدة. ماذا تتوقعون وتأملون منها؟ ما هي الجوانب التي يجب أن تتركز عليها جهود GASP في المرحلة القادمة؟

أعرف فيديريكا موغيريني كخبيرة نشيطة وسياسية خارجية مبدعة. إنها خيار جيد لهذا المنصب، وأنا سعيد بالتعامل معها. إلى جانب المعالجة والإدارة اليومية لأزمات السياسة الدولية التي تغلب على حياتنا اليومية حاليا، مع الأسف، يوجد أيضا حوار جوهري حول اتجاهات استراتيجية السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي. العديد من الأصوات تطالب أن نكون أكثر نشاطا على المستوى الدولي، وأن نكون أكثر ترابطا مع مناطق المستقبل الواعدة، مثل جنوب شرق آسيا ووسط آسيا، والجنوب العالمي بشكل عام. وعلى الجانب الآخر تظهر في جوار أوروبا، في الجنوب والشرق، العديد من التهديدات للسلام والأمن في بلادنا. نحن نواجه هناك مجموعة من المشكلات المعقدة، سواء الأزمة بين الإسرائيليين والفلسطينيين، أو مستقبل أوكرانيا، أو المخاطر المتنامية للإرهاب الذي يعصف الآن بسورية والعراق. أعتقد هنا أن "النشاط الشامل" المشترك للسياسة الخارجية والأمنية الذي يشارك فيه مختلف الأطراف ويستخدم كافة الأدوات والآليات المتاحة يمكن أن يثبت قدرة أوروبا على إيجاد الحلول المشتركة والشاملة.

Add comment

يرجى تسجيل الدخول لإضافة تعليقات