عن الحياة قبل الهروب

ما الذي يشغل بال اللاجئين السوريين في ألمانيا؟ مختارات أدبية تعطي بعض الإجابات. عرض موجز لثلاثة كتاب مع مؤلفاتهم.

جاؤوا بمنحة دراسية، أو بعقد عمل، أو على أمل الحصول على اللجوء. ولكن ما الذي تركوه في وطنهم؟ يتعرض القادمون من سورية غالبا للسؤال عن ظروف هروبهم. إلا أنهم نادرا ما يُسألون عن الحياة التي كانوا يعيشونها من قبل. دار نشر سيكسيون السويسرية للأدب حاولت تغيير هذا الأمر وقامت بنشر مختارات "الهروب – الوصول. نصوص من ألمانيا". يجمع الكتاب نصوصا من 19 كاتب وشاعر، 17 منهم من سورية، جاؤوا جميعا إلى ألمانيا باحثين عن المأوى والأمان، أو وجدوا فيها وطنا جديدا. تطرح المختارات تساؤل: من هم الهاربون ولماذا هربوا؟ يتحدث الكتّاب عن وطنهم، وعن الحياة اليومية التي تركوها هناك، يتحدثون عن الهروب وعن الوحدة وعن الحياة في بلد جديد غريب، كما يتحدثون عن الشكوك في النجاة والخوف على الحياة. بالنسبة للبعض منهم، كانت هذه هي المرة الأولى التي تتم فيها ترجمة أعمالهم من العربية إلى الألمانية. في سورية كانت كتاباتهم محظورة، ولم يتم نشرها. المصور ماتياس بوتر، قام بتصوير جميع الكتّاب من أجل الكتاب. ومن المفترض أن تُعرَض الصور النصفية للكتاب في معرض مستقل يقام بالتعاون مع وزارة الخارجية الألمانية، ويتم تنظيمه في الخارج أيضا. ويتم التخطيط لإصدار نسخة بلغتين لهذه المجموعة من المختارات بالتعاون مع المكتب المركزي للتثقيف السياسي.

لينا عطفة، "على هامش النجاة"

جاءت الكاتبة لينا عطفة إلى ألمانيا عن طريق لبنان، وهي تعيش اليوم في لونة في ولاية نوردراين-فيستفالن. الكاتبة المولودة 1989 في السلمية في سورية، درست الأدب العربي في دمشق، ونشرت كتاب شعر تحت عنوان "على هامش الحرية". بالإضافة إلى ذلك كتبت للعديد من الجرائد والمجلات الثقافية. وبحكم كونها كاتبة فقد اهتمت لينا عطفة بالأمور الاجتماعية والسياسية، وقد وقعت في وقت مبكر في مواجهات مع القيادة السياسية في البلاد. في 2006، عندما كانت لينا عطفة في السابعة عشرة، وجهت إليها تهمة التعرض للذات الإلهية والإساءة للدولة. إلا أن لينا عطفة استمرت في المشاركة في المظاهرات المعادية للنظام. بعد العديد من التهديدات من قبل الجهات الأمنية وخضوعها للتحقيقات، حصلت لينا عطفة أخيرا على الإذن بمغادرة البلاد. تقول لينا عطفة: "تحولت من ناشطة إلى هاربة، ثم إلى لاجئة. إلا أنني مازلت أكتب عن المعاناة في سورية".

 

في مختارات "الهروب – الوصول" تتحدث لينا عطفة في قصيدة "على هامش النجاة" بكل دقة عن مسيرتها نحو المجهول:

"أيمتلك الهاربون وداعا؟!

مضى عام ونصف عام على رحلتي

لم أحس بأني أنا في الوداع"

 

كما تتحدث عن رحلتها عبر البحر المتوسط، دون أي تمويه أو تجميل لمشاهداتها ومعاناتها: "أراقب كيف يَمُر بي الموت

يلمس وجهي ويمضي ...

كنا نظن المياه طريقا ولكنها عدم

واختبار لما جف من حظنا / هل سنطفو ؟!"

 

أيضا الوصول الصعب إلى ألمانيا كان أحد موضوعات شعر لينا عطفة:

"أنا الآن في الأول الابتدائي

أطلب كأسا من الماء أو كوب شاي

فتفرح آنستي ويصفق لي أصدقائي

وأبكي ... أنا أكتب الشعر في لغتي

لا أريد الذهاب إلى المدرسة

لا أريد التعلم قسرا .. وجرحي يعض على الملح"

كنان خداج "أنا والفانوس السحري"

يعيش الصحفي وكاتب القصص القصيرة كنان خداج منذ أيار/مايو 2015 في برلين. وقد تم نشر الترجمة الألمانية لبعض من نصوصه الصحفية في جريدة تاغزتسايتونغ (taz)، التي يكتب لها بانتظام. ولد خداج في 1990 في السويداء جنوب سورية، ودرس العلوم الاقتصادية في جامعة دمشق، إلا أنه اضطر إلى قطع الدراسة بسبب الأوضاع السياسية في البلاد. مع بداية الأحداث في عام 2011 بدأ كنان خداج العمل كصحفي، حيث عمل وكتب للعديد من الجرائد السورية. بالإضافة إلى ذلك نشط في مشروعات إنقاذ ومساعدة الأطفال والبالغين من ضحايا الحرب. بدأت مسيرته نحو ألمانيا في عام 2014، بالهروب إلى لبنان. من هناك تمكن من الوصول إلى ألمانيا عبر تركيا واليونان. وقد صدرت أول مجموعة قصصية له تحت عنوان "تحيا الحرب". حاليا يعكف كنان خداج على وضع اللمسات الأخيرة على مجموعته القصصية الثانية، كما يعمل على كتابة رواية.

 

في مختارات "الهروب – الوصول" يتحدث في قصته القصيرة "أنا والفانوس السحري" عن لقائه بالعفريت الذي سيلبي له ثلاث أمنيات. إلا أن العفريت يحذره من التفكير بأمنيات عجيبة غريبة، قائلا: "ولكن لا تفكر أن تتمنى أنْ تنتهي الحرب في سوريا أو العراق أو السلام العالمي، أو طي صفحة المجاعة". إلا أن خداج لديه أمنية أخرى: فهو يريد أن يصبح حمارا. بهذا يستطيع أن ينتقد النظام السياسي في سورية دون الحاجة إلى التخفي: "لطالما أعجبت بالحمير ككائنات لطيفة ومسالمة، تعملُ دون كللٍ أو ملل ومع ذلك تعيشُ حياةً سعيدة. مجتمع الحمير مثالي، هم لا يملكون رؤساءً أو أحزاب، ولا تقطع الفيالق الدينية أو الجيوش المتحضرة رؤوسهم". كما أنه يتمنى أيضا أن يتحول إلى وجهة نظر من نوع خاص: "ستكون أمنيتي الأخيرة أن أصبح وجهة نظرٍ مكتوبة أو مسموعة أو مدفونة داخل مخيلةِ كاتبٍ مجنون، وجهة نظرٍ لا يمكن أن تسحق أو تقتل، وجهة نظرٍ لا تكون داخلَ صراعٍ من أي نوع. وجهة نظرٍ خالدة برغم القول السائد بأنَّ زمان الخلود قد انتهى".

عساف العساف، "أبو يورغن. حكايتي مع السفير الألماني"

يعيش عساف العساف في برلين. ولد في مدينة دير الزور عام 1976 وعمل كطبيب أسنان، كما عمل أيضا بشكل جانبي في مجال الصحافة. منذ 2007 يكتب العديد من المقالات لجرائد عربية مثل الحياة والمستقبل. في 2013 غادر دمشق للعيش في نواكشوط في موريتانيا، حيث عمل كطبيب أسنان. اعتبارا من مطلع عام 2014 عمل في مركز طبي لرعاية اللاجئين السوريين في بيروت. منذ 2013 ينشر عساف العساف على فيس بوك كتاباته الأدبية وحكاياته حول الثورة والحرب في وطنه، وعن رحلته إلى موريتانيا، وعن حياته في لبنان وعن عيادة طب الأسنان. الكتابات والحكايات التي تتحدث عن صداقة خيالية مُفتَرَضَة بين دبلوماسي ألماني وبين لاجئ سوري نشأت في الفترة من تشرين الثاني/نوفمبر 2014 حتى شباط/فبراير 2015، وتم نشرها في 2015 تحت عنوان "أبو يورغن. حكايتي مع السفير الألماني"، حيث نشرتها دار ميكروتيكست.

في مختارات "الهروب – الوصول" يشارك عساف بمقتطفات من روايته. في نص "أنا ليوم لاجئ رسميا" يتحدث عساف بأسلوب فكاهي: "اللجوء كما الحج، مرة واحدة ومن استطاع اليه سبيلا ولو تقطعت جسور الحديد في مكة من دوس رجليك ...". السوري الذي يصفه في كتابه، لديه خطط جنونية لإثارة الانتباه إلى أوضاع اللاجئين. حتى أنه على استعداد لدعوة أنجيلينا جولي وبرات بيت "مع أولادهم الخمسة عشر" إلى ناد سينمائي سيقوم بتأسيسه. ولكن بين سطور نصوصه الفكاهية يبقى العساف أيضا في منتهى الجدية: "كل صورة تساوي 10000 كلمة، وصورة خيمة وولد باك أهم من مظاهرة مليونية".

مزيد حول مختارات "الهروب – الوصول":

"الهروب – الوصول. نصوص من ألمانيا"

مع افتتاحية بقلم شيركو فتاح، إضافة إلى 19 صورة نصفية لماتياس بوتور

مجلد بدون غلاف واق

256 صفحة بأربعة ألوان

ISBN 978-3905951-97-4

صدر في تشرين الأول/أكتوبر 2016

© www.deutschland.de