غيرهارد ريشتر

يعشق الحرية ويحتاج إلى الترتيب إنه إنسان خجول ورسام عظيم في 2012 يحتفل غيرهارد ريشتر بعيد ميلاده الثمانين

picture alliance/ZB

سيل الأرقام القياسية لا يتوقف. في البداية كانت 10 ملايين يورو للوحة "زوجان عاشقان". ثم وصل المبلغ إلى 12 مليون في لوحة "الشموع". وفي خريف 2011 وصل سعر لوحة "الصورة التجريدية – 849-3" إلى حوالي 15 مليون يورو. تمثل هذه الأرقام صدمة بالنسبة للفنان غيرهارد ريشتر، الذي يعتبر بلا شك الفنان الألماني المعاصر الأعظم، ويحتفل في شهر شباط/فبراير بعيد ميلاده الثمانين، وهو يعتبر هذه الأسعار الخيالية التي تدفع ثمنا لأعماله "سخافة حقة". ولكن مهما عظم النجاح، ومهما تهافت عشاق الفن والنقاد والمتاحف على المديح والإطراء، فإن غيرهارد ريشتر يبقى في سنه المتقدمة مخلصا لذاته وفنه. إنه لم يكن أبدا في يوم من الأيام واحدا من أولئك الفنانين الذين يعمدون إلى تحويل كل ما يجوب بخاطرهم إلى ألوان ورسوم على الورق. ريشتر يحب العمل بأخلاق وهدوء.

قمت مرة بزيارته في بيته في مدينة كولونيا. ذلك البيت ذو الواجهة البيضاء، والذي ليس له أية نوافذ من جهة الشارع. هكذا هو ريشتر: خجول منعزل عن صخب الحياة. إنه رسام عظيم، وإنسان خجول. توجه نحو الباب بخطوات متثاقلة، رجل نحيل، يلقي ابتسامة خجولة، يمسح رقبته بهدوء، ثم يشرع في الحديث أو العمل. في المرسم تفوح رائحة الألوان، رغم أنه لا وجود لأية ريشة أو علبة ألوان. الأرض رمادية اللون. كل شيء في مكانه، في غاية الترتيب والنظام. هذه أيضا من صفات وشخصية الرسام العظيم. لم يكن فنه صاخبا في يوم من الأيام، لم يكن محبا للظهور، لم يسع يوما إلى إثارة الانتباه. بل على العكس تماما. حيث يبدو فنه أشبه بعالم يغطيه الضباب. يرفض ريشتر النظرة المباشرة، حتى لنفسه. كل شيء بعيد عن المواجهة المباشرة. لقد اكتشف الكاميرا في وقت مبكر، وهي بالنسبة له النافذة على الحقيقة. إنه يصور بالكاميرا، ثم يحول بعض صوره إلى لوحات كبيرة مرسومة: مناظر طبيعية، ورود، شموع، مشاهد أسرية. غالبا ما تكون صورا نابعة من داخله، يشعر المرء بملامستها أعماق مشاعره، وخروجها من هذه الأعماق. رغم ذلك تتميز اللوحات بالبعد عن الشاعرية. حيث أن أعمال ريشتر تتميز بعدم الوضوح، بالضبابية، وكأنها خربشة ألوان تحتمل عدة تفسيرات، جميعها خاطئة. إنه ينقل لوحاته إلى التقريبية، يظهر المشاعر تارة، ويخفيها تارة أخرى.

هذه الازدواجية تتطلب منه جهدا مضاعفا، إنها متعبة جدا: إنه ينجز لوحاته التجريدية بعناء أقل. وهي بدورها تروي حكاية أعماقه، رغم أنه لا يظهر من خلالها الكثير من التعبير الأناني عن الذات. هنا تقع المشاعر أسيرة حواجز من الألوان والنقاط والبقع. بعضها يبدو وكأنه أوراق ممزقة لكتابة الملاحظات المتضاربة. إنها أشبه بموسيقى ساحرة، تخلق الأجواء المختلفة، تلهم العقل والروح. يرى ريشتر أعماله التجريدية على أنها فرصة لوصف الأشياء التي ليس لها شكل معين، أو شبيه مرئي يمكن وصفه. يقارنوه أحيانا بحيوان الكاميليون (الحرباء) الذي يقفز من أسلوب إلى آخر: فهو يجرب تارة الأسلوب التصويري الواقعي، وينتقل تارة أخرى إلى تضارب الألوان الغامض. لا يتمسك ريشتر بأسلوب محدد، كما أنه لا يغير الأساليب بمزاجية بحتة. إنه يعاني طويلا في البحث عن التعبير المناسب، التعبير الآني المرتجل. إنه يخاف من الإفراط في التعمق والتخطيط. الفن بالنسبة له هو شيء جاد، شيء يروي الحقيقة بكل بساطة. وهذا ما يسعى إليه بدقة وتفان، لأنه لا يقدر على أي أسلوب آخر.

شعر ريشتر الفنان المولود في درسدن في وقت مبكر نسبيا بانجذاب نحو التحرر من الشروط والقيود. ففي السادسة عشرة، عندما كان يتجول مصطحبا عدة الرسم، باحثا عن مشاهد يرسمها، اتخذت لوحاته أشكالا أشبه بملاحظات مرسومة بألوان مائية. حينها ارتاده شعور لم يتخلص منه حتى الآن. عمل في البداية رساما في معمل للنسيج، ثم التحق بأكاديمية الفنون في درسدن، حيث تلقى تعليما وتدريبا صارما، في الرسم الصحيح والتفكير الصحيح على السواء. فقد كان الفن بالنسبة لحكام ألمانيا الديمقراطية (DDR) في ذلك الوقت جزءا من الدعاية السياسية قبل كل شيء. كانت الواقعية الاشتراكية هي الاتجاه الفني السائد، فتبعها ريشتر، وما لبث أن بدأ يشكك فيها بعد أن قام في العام 1959 بزيارة معرض دوكومنتا في كاسل، واطلع على الديمقراطية الغربية، وشاهد حرية الفن من خلال أعمال بولوك وفونتانا، وغيرهما. شغلته هذه الحرية إلى أن هاجر في العام 1961 إلى دوسلدورف، حيث بدأ هناك حياة فنية جديدة.

لم تكن في البداية الحياة التي أرادها. فقد أمضى عاما كاملا في الرسم والتلوين وفي إنجاز إنتاج فني غير ذي أسلوب واضح، وكأنه أراد التعويض عن ما فاته وتجربة كافة الأساليب التي كان محروما منها في زمن الشيوعية. ثم جاءته ليلة "التجلي الكبير"، في باحة المعهد العالي للفنون، حيث قام بتجميع لوحاته التي اعتبرها كومة من الفشل وقام بحرقها. في تلك اللحظة أصبح فنانا حقا، أتى من اللاشيء، وتحرر من كل شيء. كسر قيوده محققا مقولة الاستقلالية والحرية الحديثة. كانت هذه أمنية ريشتر في تلك اللحظة. فقد كان يتطلع دوما إلى التحرر من قيود الفن السياسي.

إلا أن معرضه الأول حمل اسم "تظاهرة من أجل الواقعية الرأسمالية". وقد كان واضحا من عنوان المعرض أنه لم يكن من السهل نسيان الأصول التي تحدر منها والبيئة التي جاء منها. فقد كان المشهد أشبه بعرض أزياء فني، يلحق المشاهد الشتوية ويحاول الاندماج في الجماليات الغربية. سرعان ما أدرك ريشتر أنه ليس الرجل الصحيح للأحداث الصاخبة. أدرك أنه لا يناسب للروحانيات ولا للمادية الحديثة. إنه حتى اليوم يكره الفنانين الذين يجعلون من أنفسهم رموزا رفيعة، وشخصيات مهمة. ربما يحسد هؤلاء على حبهم لذاتهم، بينما كتب عليه هو شخصيا المعاناة الدائمة من تأنيب الضمير، والاعتقاد بأن الآخرين أكثر موهبة منه، إلى درجة أنه مازال يصارع مع إمكاناته ومواهبه. ولكن أكثر ما يثيره في الذين ينصبون أنفسهم آلهة فنية هو أنهم يجعلون من أعمالهم سلعا مهمة، يرفقونها بحملات إعلانية ضخمة. إنه يتراجع حيثما وجد إيديولوجيات تغري الناس في الانغماس بأمور معينة لا عقلانية. لم تغادره الدروس التي تعلمها في ألمانيا الديمقراطية، وهو بدوره لا يريد أن ينساها أيضا. وهذا هو تعقله وتردده وحذره. لا يسعى ريشتر إلى وصف الحقيقة أو التعبير عنها من خلال لوحاته التي تبحث دوما عن انكسار، هو انكساره الشخصي الداخلي.

رغم ذلك لا يظهر ريشتر هذا التمزق ولا يحاول المتاجرة به، بل إنه يحتفظ به جرحا عميقا في داخله: فهو يشكو من أزمة الانحدار الكبير في عالم الفن، من انتصار الفن التافه. لا يوجد بالنسبة له أهم من حريته، كما يكره التعسف الذي يعتبره خسارة لكل القيم والأصول. الفن في نظره أسمى من ذلك. من هذه الناحية يمكن اعتبار ريشتر بورجوازيا، متمسكا بالقيم القديمة التي مازالت ترى في المتحف مكانا للتنوير. يريد ريشتر الحرية والارتباط في آن واحد. يريد أن يكون حرا وملتزما في ذات الوقت. وهو يعيش هذا التناقض الألماني أكثر مما يعيشه أي فنان آخر من جيله.

ما يزعجه اليوم هو أن المعاهد الفنية العليا لم تعد تقوم بتدريس فن الرسم، وأن لقب فنان أصبح متاحا لكل من هب ودب. فهو يعمل وفق قواعد واضحة، ويدرك تماما ما يجب أن يتوافر في الفنان المعاصر من قواعد ومتطلبات. ولأنه يحاول باستمرار مناقشة هذه القواعد وإعادة رسمها، فإنه يثور غضبا من أولئك الفنانين الذين يعتبرون أنفسهم فوق كل القواعد وأسمى من تاريخ الفن بأسره. وهو عندما يتجاوز محرمات الحداثة، من خلال رسمه منظرا طبيعيا صاخبا أو تصويره باقة من أزهار التوليب الصفراء الساحرة، فإن ذلك بالنسبة له يبقى دوما أشبه برحلة استكشاف للحدود والإمكانات. وهو يتجرأ على رحلة الاستكشاف هذه فقط لأنه يرى نفسه صاعدا ضمن آلية يمكن التحكم بها، ولا تخرج عن السيطرة. حريته تحتاج إلى النظام. وفقط من خلال هذا النظام يمكنه التطلع إلى ما هو مكروه في الفن: إلى الجمال. الرسم على طريقة فيرمير أو فيلاسكيه يبقى بالنسبة له شيقا مثيرا ومحفزا، حتى لو كان إشباع هذا الشوق غير مسموح. ففي النهاية يوجد التصوير الضوئي الذي يعكس كل شيء على حقيقته تماما. الأمر الذي يجعل الصورة المرسومة أمرا ثانويا غير ضروري.

ولكن الرسم يعبر أحيانا أكثر من أية صورة. مجموعة ريشتر حول إرهابيي منظمة الألوية الحمراء (RAF) في شتامهايم قامت على أساس صور ملتقطة لهم، ولكنها اكتسبت شهرتها بعد أن تحولت إلى لوحات مرسومة. اليساريون اتهموا ريشتر بأنه كان يريد "تأميم" شهدائهم. وكان اليمينيون يخشون أن يتحول هؤلاء القتلى إلى رموز لبعض فئات المجتمع. تحولت اللوحات المرسومة إلى منصات لامتصاص الصواعق، تم فيها تفريغ الحنق والجهد والتشدد. وهذا ما أعجب ريشتر. إلا أنه لم يكن مهتما بخوض تجربة مشابهة من جديد. فهو لا يرى في نفسه رساما للأحداث السياسية، كما أنه ليس فنانا يمكن الطلب إليه إعداد لوحة حول مسألة الإرهاب أو تقنية الجينات. في زمن تلوح في أفقه معالم معرض دوكومنتا 2012 يفضل ريشتر أن يغطي جدران مرسمه بلوحات زجاجية رمادية غير واضحة المعالم. ويمكن القول: إنه يتدرب على فن الصمت.

هو لا ينزعج حين يصفه البعض بأنه محافظ: فالأسرة مهمة بالنسبة له، وكذلك الأخلاق بطبيعة الحال، كما أنه لا يخفي صداقته للكاثوليكية. حتى أنه صمم نوافذ زجاجية ملونة لكاتدرائية كولونيا الشهيرة. صحيح أنه لا ينتمي إلى حلقة المؤمنين، لأن أسلوب حياته قد أكسبه مناعة ضد القوالب الجاهزة، إلا أنه يؤمن بالتحرر والخلاص. وقد قام مرة بتصميم صليب، وهو مازال متمسك به، رغم انتقادات البعض. فهو يمثل بالنسبة له إشارة على الإيمان بأن الفن يمكنه أن يساعد على المواساة والترفع، وأن الفن سوف يتغلب على كل التمزق في يوم من الأيام. هكذا هو غيرهارد ريشتر. أكثر بكثير من كل هذه الملايين التي تجلبها أعماله.