الربيع العربي وجبال القمامة
نظراً للتحولات الكبيرة الجارية في شمال إفريقيا تدعم البلديات الألمانية شريكاتها التوأمية في المغرب العربي.
تعبر سعاد ساسي من مكتب العمدة في تونس عن حماسها بالقول: "أخيراً صار في وسعنا تحريك شيء ما على الصعيد المحلي". وهي تقصد في هذه الحالة قضية التخلص من النفايات التي أصبحت مشكلة كبيرة في تونس. مثلها مثل كثير من المواطنين التونسيين تشعر سعاد ساسي تحت تأثير الزخم الناجم عن ثورة الياسمين بحماس للإمكانات الجديدة التي أتاحها الحراك الديمقراطي. لكن هذا يعني بالنسبة لإدارة المدينة الاهتمام، على الرغم من الثورة، بأمور عادية مثل ترحيل القمامة. فالبلاد تشهد وضعاً قلقاً يرافقه خلل في التزود بالخدمات الاجتماعية المختلفة من مثل مياه الشرب والطاقة الكهربائية والخدمة الصحية وغيرها. ويلاحظ المرء التداعي المتزايد للمباني والمنشآت المدينية.
"لا أحد يريد عودة الأزمنة القديمة"، تقول سعاد ساسي السيدة ذات الشعر الأسود والنظارة الأنيقة والتي تتولى ترتيب الشؤون الدولية لدى عمدة مدينة تونس. "لكننا نواجه مشاكل بنيوية كبيرة. فنحن في حاجة إلى خدمات أفضل وإلى إدارة شفافة وإلى إدارة محلية ذاتية". لهذا الغرض تم الآن تشكيل لجنة في تونس بهدف تحسين الأداء الحكومي وإعطاء الهيئات المحلية مزيداً من الصلاحيات (الإدارة اللامركزية).
كل هذه الأمور تعالجها تونس العاصمة مع شريكتها كولن الألمانية. وتعلق سعاد ساسي على ذلك بقولها: هناك شراكة توأمية بين المدينتين منذ سنة 1962. ولكن "في السابق كان التعاون يقتصر على عدد قليل من الحقول. في نهاية الستينات ساعدت كولن مدينة تونس على إنشاء حديقة حيوانات خاصة بها، على سبيل المثال. ومنذ قيام الثورة في تونس صار لدينا مزيداً من الحرية في اتخاذ القرار وصار في وسعنا التركيز على نقاط أخرى مختلفة تماماً. والآن نريد التركيز على الإدارة الذاتية المحلية".
في هذا المجال تمكنت البلديات وهيئات الإدارة المحلية الألمانية من جمع كثير من الخبرات. وفي هذا الصدد يقول الدكتور أوفه كورخ المسؤول عن الشؤون الدولية لدى عمدة مدينة كولن: "نحن مستعدون لإعطاء تونس هذه الخبرات بكل سرور. وهذا أدى إلى نقل التعاون إلى مستوى أعلى. في السابق كنا نركز تعاوننا على التبادل الثقافي والطلابي. أما الآن فيتركز تعاوننا على مشاريع محددة في مجالات أكثر اتساعاً وشمولاً".
إلا أن كولن ليست المدينة الألمانية الوحيدة الملتزمة بالتعاون مع مدن المغرب العربي. ففي ديسمبر/كانون الأول 2011 شكلت المدن الألمانية الراغبة في المساعدة على تطوير شمال إفريقيا شبكة من المدن الداعمة لشمال إفريقيا –تحت إشراف الاتحاد العام للمدن الألمانية الذي يضم جميع المدن والبلدات التي يزيد عدد سكانها على 50000 نسمة ويهتم بالإدارة الذاتية المحلية للمدن. والآن تريد المدن الألمانية نقل خبراتها في مجال الإدارة المحلية إلى شركائها في بلدان المغرب العربي. ولهذا الغرض عقد في بون لقاء بين المدن الألمانية وشركائها في شمال إفريقيا ناقش فيه الطرفان مشاكل الإدارة المحلية. وقام بتنظيم اللقاء "دائرة الخدمات البلدية في العالم الواحد" التابعة لـ Engagement Global. تأسست هذه الشبكة في نوفمبر/تشرين الثاني 2011 وهي تدار من "دائرة الخدمات البلدية في العالم الواحد" ومن "الاتحاد العام للمدن الألمانية" معاً.
في ذلك اللقاء تحدث الشركاء من تونس ومصر عن التحديات الجديدة التي واجهت إدارات مدنهم فجأة بعد التحولات التي حدثت في العام الماضي مباشرة. ذلك أن الربيع العربي يجلب معه تحول جذري يجري بصورة رئيسة في المدن وتقع مسؤوليته، في المقام الأول، على كاهل الشباب. وما ينتظره المواطنون من هذا التحول هو أمور محددة جداً: فرص عمل، ومرافق عامة حديثة ومتطورة، وبناء مزيد من المساكن، وتحقيق مزيد من الديمقراطية. وهذه جميعها أمور لا تقوم بها الحكومة المركزية وإنما يتعين على البلديات وهيئات الإدارة المحلية تقديمها. وهذا يعني أن نجاح الثورة يتوقف على نجاح هذه الهيئات المحلية.
ينطبق هذا، على سبيل المثال، على الطيب النفزي عمدة مدينة منزل بورقيبة في تونس المدينة الشريكة لمدينة شتوتغارت الألمانية. فهو يعتبر الفساد مشكلة كبيرة في الإدارة الحكومية. إلا أن حل هذه المشكلة يقع على عاتق المدينة وحدها. لكن شتوتغارت تستطيع عن طريق دعم المشاريع خلق فرص عمل في المدينة التونسية –وهذه مساعدة هامة للمدينة.
هناك بعض المدن التي تواجه تحديات كبيرة بشكل خاص ومنها، على سبيل المثال، مدينة بن قردان في شرق تونس. تقع هذه المدينة الصغيرة على الحدود مع ليبيا وهي تعيش منذ قديم الزمان من التجارة عبر الحدود. ومنذ انهيار حكم القذافي جاء نحو مليوني لاجئ ليبي إلى تونس –وهذا يدفع المدن الحدودية بالذات إلى الحدود القصوى لما لديها من طاقات وإمكانات. إلا أن الدكتور منير بريك رئيس مؤسسة التنمية في بن قردان يعتبر اللاجئين الليبيين الذين استقروا في المدينة الصغيرة، والذين يبلغ عددهم نحو 4000 لاجئ، زيادة إيجابية: "فهم يشكلون القوة البشرية اللازمة التي نحتاجها للتنمية والتطوير".
تتلقى بن قردان أيضاً المساندة الاستشارية من خبراء مختصين في البلديات الألمانية. ويتلقى الاتحاد العام للمدن الألمانية وشركاؤه في شمال إفريقيا الدعم والمساندة من المشروع الإقليمي "كومون" CoMun (الاتحاد التعاوني لمدن وبلديات المغرب –تقوية البنى الهيكلية البلدية في المغرب) التابع للمؤسسة الألمانية للتعاون الدولي GIZ. تدعم هذه المؤسسة بتكليف من وزارة الخارجية الألمانية والوزارة الألمانية للتعاون الاقتصادي والتنمية تشكيل شبكة تعليمية للتنمية البلدية والمدينية في المغرب وتدعم في الوقت نفسه شراكات توأمية بين المدن الألمانية والمدن المغربية على صعيد المشاريع البلدية. يريد برنامج "كومون" إحياء الشراكات التوأمية بين المدن على أساس مشاريع مختارة. وفي هذا الصدد يقول ماينولف سبيكرمان مدير برنامج "كومون": "يوفر التعاون المباشر بين المدن الألمانية وشركائها في تونس ومصر الإمكانية لقيام اختصاصيين من بلدان مختلفة، جاءوا من العمل الميداني التطبيقي، بحل مشاكل محددة معاً في عين المكان على أرض الواقع". لكي تتمكن الديمقراطية من التطور والنمو بكل هدوء –دون جبال القمامة.