المشاركة الألمانية في بينالة البندقية

المشاركة الألمانية في مهرجان بينالة البندقية: تبادل الأجنحة بين ألمانيا وفرنسا.

picture-alliance/dpa - Susanne Gaensheimer, Biennale
picture-alliance/dpa - Susanne Gaensheimer, Biennale

الإثارة جزء من الفن. لهذا يجد الزائر للجناح الألماني في معرض بينالة في البندقية هذا الصيف نفسه في مواجهة مساهمات مختارة من الفن الفرنسي. والعكس بالعكس، حيث يواجه زائر الجناح الفرنسي مجموعة من الأعمال الفنية الألمانية التي اختارتها سوزانة غينسهامير، مديرة متحف الفن الحديث في فرانكفورت (MMK)، والتي تشرف في عام 2013 للمرة الثانية على المشاركة الألمانية في المعرض العالمي للفن.

 

فكرة تبادل الأجنحة كانت دائما موضوعا مطروحا على بساط البحث. وأخيرا في 2013، جاءت الفرصة المناسبة مع احتفالات الذكرى الخمسين لمعاهدة الإليزيه، التي أرست قواعد الصداقة الألمانية- الفرنسية، حيث وجد وزيرا خارجية البلدين الفرصة المناسبة لتنفيذ هذه الفكرة. كانت غينسهايمر مع زميلتها الفرنسية كريستين ماسل موافقتين على تنفيذ الفكرة، شريطة موافقة الفنانين الذين ستقوم المديرتان المشرفتان على اختيارهم. وقد كان هؤلاء معجبين جدا بفكرة تبادل الأماكن: فالمسألة حسب مديرة MMK في النهاية، هي التخلص من الحدود، حيث أن تجاوز هذه الحدود هو جزء أساسي من عملها.

 

على أرض غيارديني، التي تزينها الأنوار المتلألئة التي يعكسها سطح البحيرة، وهي أقدم موقع لمعرض بينالة، الذي يقام منذ العام 1985تنتصب اليوم مجموعة من الأجنحة والصالات التابعة للبلدان المختلفة، كثير منها يعود إلى المعرض الفني العالمي الأهم منذ مطلع هذا العقد، إلى جانب معرض دوكومنتا في كاسل. ولكن: الفكرة القديمة التي تقول بوجود أشهر الفنانين من كل بلد، لم تعد هنا تمثل أي حقيقة، في عهد التشابك الذي وصل إلى عالم الفنون أيضا. تقسيم الفن حسب الأمم والقوميات والهوية الوطنية، بات أمرا قد عفا عليه الزمن.

تعامل بسيط مريح ومرن في التعامل مع فكرة تقسيم المعرض إلى أجنحة للدول لا يتناسب فقط مع معطيات عالم الفن وحسب، وإنما أيضا حق الغالبية الساحقة من الفنانين في خلق جمالية تتجاوز حدود القوميات المختلفة، بل وتتجاوز ربما حدود الثقافات المتنوعة. لقد أصبحت التساؤلات في عصر العولمة تهم الجميع. رغم ذلك تستغل الكثير من البلدان مهرجان بينالة لتقديم نفسها، من خلال التركيز على التفرد القومي الذي تتمتع به والإشارة إلى العظمة الذاتية التي تميزها.

حوالي 90 جناح دولة تنتشر هذا العام في مختلف مناطق المدينة تقريبا. "الجميع يريدون المشاركة"، تقول غينسهايمر، وتضيف: "إنه من المهم جدا لكثير من البلدان أن تتاح لها الفرصة لتقديم نفسها في مثل هذا المحفل الدولي". ولكن ما يهمها هو عدم التمسك بفكرة جناح البلد من خلال نظرة ضيقة. "يجب أن يرى المرء التمثيل الوطني من وجهة النظر المنفتحة." حيث أنه من المثير أيضا تأمل كيفية تعامل البلدان مع مثل هذه الفكرة. الاكتفاء بعرض أعمال الفنانين الأشهر في البلد، لم يعد اليوم أمرا كافيا.

 

ترى غينسهايمر أن فكرة العالمية لم تكتمل حتى في المجتمع الألماني حتى الآن: يجب على المرء تأمل الفرص المتاحة من هذه العالمية والتعامل معها، تماما كما يفعل مع المخاطر المترتبة عليها. "ألمانيا هي بلد مستقبل للمهاجرين، الاقتصاد ذو توجهات عالمية، سواء تعلق الأمر بالبنك الألماني –دويتشة بانك – العملاق أو بمكتب هندسي صغير."

تريد غينسهايمر تقديم ألمانيا من وجهة النظر هذه. وكذلك باعتبارها بلدا يتيح ملاذا آمنا لفنانين ملاحقين سياسيا من أمثال آي وايواي. تقول مديرة المتحف الخبيرة: "يشكل التنوع الثقافي، أحد التحديات الكبيرة في المستقبل". لهذا تعمل غينسهايمر على تقديم عرض يوحد أعمال الفنانين من شتى أنحاء العالم. كما يعكس في ذات الوقت عالمية ألمانيا وانفتاحها وتنوعها. فقد اختارت أربعة فنانين تربطهم بألمانيا علاقة خاصة، إلا أنهم من أربع جنسيات مختلفة.

 

الصيني آي وايواي يمتلك مرسما في برلين، حيث يعمل كبروفيسور ويقول أن ألمانيا كانت البلد الأهم في تاريخه وفي نجاحه الفني. مشاركته في معرض دوكومنتا 2007 كانت بالنسبة له الخطوة الأهم نحو العالمية. الفرنسي الذي يعيش في ألمانيا، روموالد كارماكار، والذي ينتج أفلاما وثائقية وتمثيلية على السواء، يهتم من خلال أعماله دوما بموضوعات ألمانية. الجنوب أفريقي سانتو موفوكينغ، الحائز سابقا على منحة من الهيئة الألمانية للتبادل الأكاديمي الخارجي (DAAD)، يشارك من خلال أعماله التي تعتبر من أهم المجموعات الألمانية للصور الفوتوغرافية الأفريقية، وهي مجموعة أرتور فالتر. فنانة التصوير الهندية دايانيتا سينغ أقامت أول معارضها في صالة "محطة قطار هامبورغ" في برلين، وهي تعمل مع دار نشر شتايدل في مدينة غوتينغن. تعلق غينسهايمر: "الأربعة جميعهم يعملون من أجل كسر قيود الهوية القومية". وهذا هو الموضوع الحقيقي للمعرض. وهي تسعى إلى التذكير والربط مع المشاركة الألمانية الفنية في بينالة عام 2011، والتي نالت الأسد الذهبي آنذاك. حينها قدمت صانع الأفلام والمخرج المسرحي كريستوف شلينغنزيف كواحد من رواد الفنانين المتميزين بالعالمية.

 

لا تخفي المديرة الفنية حماسها وسعادتها بتفادي الجناح الألماني المثقل تاريخيا في عام 2013. وهي ترى أن التعامل مع بناء الجناح الفرنسي الواقع في الجهة المقابلة أسهل بكثير. "الجناح الألماني هو عبارة عن بناء فريد معقد من الناحية المعمارية. وقد قامت النازية بتضخيمه سعيا إلى تخليده. والآن لدينا هذه الصالة المرتفعة مع الصالتين الملحقتين". يجب على الفنانين إما التعامل مع هذا الحجم المعماري الهائل أو تجاهله. "الجناح الفرنسي في المقابل يتمتع بالكثير من التناسق والشاعرية". يحتاج الجناح الألماني إلى التجديد والتحديث، على الأقل بسبب فقدان البنية التحتية الضرورية. إلا أن غينسهايمر لا ترى ضرورة اقتلاعه بشكل كامل من أجل إعادة البناء، كما يطالب البعض. إعادة التأهيل أو الهدم الكامل أو تجاهل الأمر: ثلاثة مقترحات صدرت دائما عن خبراء الفن الذين تعاملوا مع الجناح الألماني على مر السنوات. كثير من الفنانين الذين توجب عليهم تمثيل بلدهم هناك جعلوا من البناء الذي يعبق بروح النازية ويجسد عمارة الحاكم المتسلط، موضوعا بحد ذاته لفنونهم. حيث قام البعض باقتلاع الأرضية الحجرية. بينما تبنى بعضهم تصميما داخليا على طراز باوهاوس متبنين خلفية تصميم ديمقراطية. ما يقدمه أنري سالا، المولود في ألبانيا، والذي يعيش في برلين، ويمثل فرنسا ويعرض أعماله في الجناح الألماني هو مسألة من اختصاص المديرة الفرنسية وحدها. لم يكن للألمان دور في تحديد المشاركة الفرنسية، تمام كما لم يكن للفرنسيين أي دور في مشاركتهم في عام 1912 التي تمت في بناء جناحهم الجديد في بينالة، المبني على الطراز الكلاسيكي الحديث.

 

علاوة على ذلك، تزين عبارتا "جرمانيا" و"فرانسيا" الجناحين. إلا أن الضياع الذي يصادف الزوار يمكن أن يكون مريحا لهم. لأنه يبين استعداد الجارين الأوروبيين للتبادل والتعاون، رغم اختلاف الآراء أحيانا. تبادل الأجنحة كرمز للتلاحم الأوروبي: إشارة قوية. والفن يعيش على الرموز والإشارات، وكذلك السياسة.