برلين / باريس

أوروبا بحاجة إلى القيادة الثنائية القوية لألمانيا وفرنسا – هل يتحمل البلدان هذه المسؤولية؟

أنجيلا ميركل وإيمانويل ماكرون
أنجيلا ميركل وإيمانويل ماكرون Presse- und Informationsamt der Bundesregierung

لعبت باريس وبرلين خلال العقود الماضية مرارا وتكرارا دورا محوريا من أجل دفع وتطوير وتعزيز الاندماج الأوروبي. إلا أن الاتحاد الأوروبي قد تغير، وتغيرت معه قدرات وأشكال أداء الثنائي الألماني الفرنسي. في عصر يواجه فيه الاتحاد الأوروبي ضغوطا كبيرة من الداخل والخارج على السواء، تسري معادلة واحدة: المحيط السياسي الأكثر تعقيدا يجعل من التعاون الثنائي الهادف إلى تعزيز أوروبا أكثر صعوبة وأكثر خلافية من ناحية، كما يجعله أكثر ضرورة من ناحية أخرى، من أجل تعزيز وتطوير الاتحاد الأوروبي، بشكل خاص في المجالات التي يتعرض فيها للانهيار.

منذ عقد من الزمن يواجه الاتحاد الأوروبي أزمة تلو الأخرى. فبعد أن تسببت الأزمات المالية والمصرفية وأزمات مديونية الدول اعتبارا من 2008 في تصاعد التوترات السياسة والاجتماعية بين بعض البلدان وفي داخل بعضها، تسبب ما بات يعرف بأزمة الهجرة اعتبارا من 2015 بالمزيد من التفاوتات بين شرق أوروبا وغربها. وهكذا أصبح الحوار حول مستقبل أوروبا أكثر جدلية وأكثر تجاذب سياسيا. قبل الانتخابات الأوروبية في أيار/مايو 2019 ببضع أشهر فقط، بات القلق كبيرا، من أن تنجح الأحزاب المناهضة لأوروبا في كبح جماح تعزيز التعاون وخطوات الاندماج، من خلال تواجد أقوى في البرلمان الأوروبي ومن خلال تسميتها ممثلين في المفوضية الأوروبية معارضين للاتحاد الأوروبي، إضافة إلى ممثلي الحكومات في المجلس الأوروبي والمجلس الوزاري.

هذا مع العلم أن هناك إجراءات وإصلاحات ضرورية، منها مثلا على صعيد سياسة الهجرة والأمن الداخلي والخارجي، أو ضمن منطقة اليورو، من أجل إتمام الاندماج المنقوص الذي تم التوصل إليه في العقود الماضية، لكي أن ينعم الاتحاد الأوروبي بمزيد من الاستقرار والازدهار ويمنح مزيدا من الأمن والأمان.

منذ تشكيل الحكومة في برلين في آذار/مارس 2018 اكتسب التعاون الألماني الفرنسي دفعة جديدة، على الرغم من أن الرئيس الفرنسي ماكرون انتظر ما يزيد عن نصف عام جوابا على خطابه حول السياسة الأوروبية الذي ألقاه في السوربون في أيلول/سبتمبر 2017. القمة الألمانية الفرنسية في ميسيبيرغ في 18 حزيران/يونيو 2018 كانت خطوة مهمة في مسيرة التسويات الثنائية، فيما يتعلق بمنطقة اليورو على سبيل المثال. برلين وباريس تريدان الآن العمل من أجل إكمال الوحدة المصرفية، وتبني موازنة اليورو بحلول العام 2021، التي تتألف من مساهمات قومية للدول وإيرادات ضريبية وتمويل أوروبي، وتقوم على أساس متعدد السنوات. بالإضافة إلى ذلك لابد من تطوير آلية الاستقرار الأوروبية (ESM).

تحقق المقترحات التوازن بين المصالح الألمانية والفرنسية، مثلا من خلال تعزيزها الأدوات المالية، والعمل وفق تدابير آلية الإنقاذ، التي تعزز المسؤولية الذاتية وآليات الرقابة. ولكن خلف هذا الحل الوسط بين التكافل والمسؤولية الذاتية، بين منطق آلية السوق وضرورة التدخل السياسي، مازالت تكمن طرق فهم وتفسير متباينة حول طريقة عمل منطقة اليورو. وبما أن النظرة الفرنسية القائمة على الطلب، تختلف بشكل واضح عن نظيرتها الألمانية القائمة على العرض، يثمن ماكرون دور الموازنة الموحدة لمنطقة اليورو على اعتبارها أكثر أهمية، بينما ترفض الحكومة الألمانية آليات النقل. لهذا لابد من العمل من أجل التوصل إلى تفاهم أوسع حول الأدوات الضرورية للمنطقة النقدية الموحدة.

مع ذلك فقد تحسنت فرص التوصل إلى تفاهم ألماني فرنسي من خلال مطالبة ماكرون بالإصلاحات الشاملة وإعطائه الأولوية لتعزيز قوة الإبداع والمرونة والقدرة التنافسية للاقتصاد الفرنسي. بلدان أخرى في الاتحاد الأوروبي تنظر بشيء من الحذر إلى التفاهمات الألمانية الفرنسية، مثل الدول الثمانية في شمال وشرق أوروبا، التي أصدرت رسالة جماعية في صيف 2018 ضمنتها معارضتها لموازنة موحدة لمنطقة اليورو.

في سياسة الاتحاد الأوروبي المتعلقة بالهجرة تؤيد كل من برلين وباريس تعزيز وكالة حماية الحدود الأوروبية "فرونتكس". وهما تؤيدان تأسيس وكالة أوروبية لتنسيق سياسة اللجوء، كما تريدان تعزيز التعاون مع البلدان الأم للاجئين وبلدان العبور. في ذات الوقت لابد من وضع نظام عادل لتوزيع الأعباء الناجمة عن استقبال اللاجئين، وهو اقتراح قوبِل بشيء من التشاؤم في وسط وشرق أوروبا.

تريد كل من برلين وباريس أيضا تعزيز السياسة الأمنية الداخلية والخارجية في الاتحاد الأوروبي، على سبيل المثال من خلال تأسيس مجلس الأمن الأوروبي، وإقرار التصويت بالأغلبية في سياسة الأمن والدفاع المشتركة GASP. بالإضافة إلى ذلك تريد العاصمتان دفع عملية التنسيق فيما يتعلق بموضوعات الأمم المتحدة، وهو ما تتيحه فترة 2019/2020، حيث تشغل ألمانيا مقعدا غير دائم في عضوية مجلس الأمن الدولي.

ولكن الأولوية على كل هذا من نصيب تطوير سياسة الدفاع المشترك. إلا أن الآراء المتفاوتة تعرقل التقدم في هذا المجال، مثلا على صعيد رفع وتطوير الكفاءات العسكرية. ورغم الدعم المتبادل في مالي وشمال أفريقيا وسورية، فإن الثقافات الاستراتيجية متفاوتة بين البلدين. ويتجلى ذلك بأوضح صوره في الأهمية التي تُعزى إلى المهمات العسكرية مقارنة بالجهود السلمية.

على صعيد التعاون في مجال التسليح تكون الإنجازات أكثر فاعلية، عندما تعمل عليها كلا البلدين معا: ولكن يوجد حاليا صعوبات لابد من تجاوزها، منها ما يتعلق مثلا بالاستعداد الحقيقي لتعاون ثنائي طويل الأجل في القطاعات الأساسية، وفي نهج السياسة الصناعية، والمواقف المختلفة بشأن ضوابط تصدير الأسلحة. علاوة على ذلك تتفاوت نظرة البلدين في مسألة بأي شكل وضمن أية مجموعات يمكن أن يكون التعاون بأفضل صوره. بالنسبة لفرنسا الأولوية هي للتعاون البراغماتي الذي يكون عبر مجموعات صغيرة مرنة، وتتميز قبل كل شيء بالتفاعلية، وذلك بهدف التمكن من تأدية العمليات بشكل فعال. بينما تسعى ألمانيا في ذات الوقت إلى اتباع نهج شامل وإدراجه في إطار الاتحاد الأوروبي، في محاولة لمنع الانقسامات.

أيضا على صعيد تعميق منطقة اليورو فإن فرنسا أكثر إقداما من ألمانيا، على التعامل مع هذه المجموعة المكونة من 19 دولة. على الجانب الألماني يغلب الميل إلى تجنب انقسام السوق المشتركة بين منطقة اليورو والبلدان غير الأعضاء فيها.

إذا كان الاتحاد الأوروبي يريد بالفعل الاستمرار في التطور والتقدم، على ضوء التحديات الداخلية والخارجية التي يواجهها، فإن ذلك أفضل ما يكون من خلال قيادة ثنائية تتشارك فيها برلين وباريس. ويشكل المجلس الأوروبي الذي سينعقد في كانون الأول/ديسمبر 2018 اللحظة المناسبة لإطلاق رسالة قبل الانتخابات الأوروبية بأن الاتحاد الأوروبي يأخذ هموم وتطلعات المواطنين وانتقاداتهم للاتحاد الأوروبي على محمل الجد، دون أن تغدو ضحية فكرة الخطاب الشعبوي.

كتالوج التسوية الألمانية الفرنسية الذي من المفترض تقديمه خلال القمة، هو الإشارة الواضحة. إلا أن المهمات كبيرة، وهي تتجلى في كسب تأييد ومشاركة حكومات الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي ومباركة الرأي العام، إضافة إلى محاولة إقناع المنتقدين في داخل البلد الواحد.

تعلق برلين أهمية وآمالا أكبر من باريس على إشراك حكومات مشككة بالاتحاد الأوروبي في وسط وشرق أوروبا. يجب على كلا الحكومتين تولي هذه المهمة.

Dr. Daniela Schwarzer
الدكتورة دانييلا شفارتسر
مديرة الجمعية الألمانية للسياسة الخارجية تهتم بشكل مكثف بموضوعات أوروبا، وقد كانت مستشارة للرئاسة الفرنسية للمجلس الأوروبي.

Newsletter #UpdateGermany: You would like to receive regular information about Germany? Subscribe here to: