إلى المحتوى الرئيسي

«لا ينبغي أن يكون الشرق الأوسط مجرد خلفية أو شاشة عرض»

المؤرخ دانييل غيرلاخ يشرح لماذا يتميز الشرق الأوسط أيضاً بالنظام المستقر، وماذا يعني ذلك بالنسبة لسياسة السلام.

كيم بيرغKim Berg, 09.02.2026
دانييل غيرلاخ خبير في شؤون العالم الإسلامي.
دانييل غيرلاخ خبير في شؤون العالم الإسلامي. © privat

ما الذي يمكن أن نتعلمه عن السلام، من تجارب الشرق الأوسط؟ الخبير المستقل دانييل غيرلاخ، هو مؤرخ وصحفي، ورئيس تحرير مجلة الشرق الأوسط "زينيت" ومدير مؤسسة كانديد المحدودة المسؤولية في برلين. في كتابه «فن السلام»، الذي صدر في عام 2025، يركز على منظور غالباً ما يتم تجاهله في أوروبا: الشرق الأوسط كمساحة لأنظمة السلام التاريخية، والمفاوضات السياسية، والتفكير الاستراتيجي. في هذه المقابلة يتحدث بشكل نقدي عن سبب كون السلام في هذه المنطقة ليس ساذجاً ولا غير واقعي، وعن سبب تقصير السياسة الأوروبية في الغالب، وما هو المطلوب من أجل تعاون مستدام. 

في كتابك «فن السلام»، تصور الشرق الأوسط على أنه ليس فقط منطقة أزمة، ولكن أيضاً مساحة لأنظمة السلام التاريخية. ما الذي يمكن أن نتعلمه نحن هنا في أوروبا؟

هذا يدل على أن شعوب الشرق الأوسط تتمتع بالقدرة على حل النزاعات المسلحة بشكل جيد، تماماً مثل شعوب أوروبا. أو أيضا بذات السوء تماما. تشكل هذه المنطقة نقطة الربط والاتصال بين أوروبا وآسيا وأفريقيا. لقد جلبت الإمبراطوريات الصراعات من الخارج إلى المنطقة. وبسبب هذا التاريخ، يفكر الناس في الشرق الأوسط بشكل جيوسياسي أكثر بكثير من غيرهم في أجزاء أخرى من العالم، ويحاولون فهم الترابطات الدولية. علاوة على أنهم يظهرون قدراً كبيراً من البراغماتية. إن أولئك الذين يدعون إلى السلام والحوار هناك ليسوا ساذجين ولا منفصلين عن الواقع، بل يتصرفون وفقاً لمصالحهم السياسية الخاصة.

تتطلب السياسة الجيدة في الشرق الأوسط استمرارية في الكوادر البشرية، تعزز العلاقات الشخصية طويلة الأمد.
دانييل غيرلاخ

تدعو حضرتك إلى نظرة طويلة الأمد للسلام بدلاً من إدارة الأزمات على المدى القصير. كيف يمكن أن يكون شكل هذا السلام المفترض؟

بعض الأزمات يمكن إدارتها، ولكن الغالبية لا. في أوروبا، هناك ميل إلى الاهتمام بالشرق الأوسط فقط عندما يكون هناك إرهاب أو حرب أو هجرة أو أزمات طاقة. على سبيل المثال، بعد ظهور تنظيم الدولة الإسلامية أو الهجوم الروسي على أوكرانيا. عندما تتراجع الأزمات إلى الخلفية، يختفي الاهتمام بهذه المنطقة. للبوندستاغ الألماني رأي في السياسة الخارجية، لكنه لا ينخرط مع المنطقة بشكل كافٍ، وقبل كل شيء، ليس لديه الخبرة الكافية. تتطلب السياسة الجيدة في الشرق الأوسط استمرارية في الكوادر البشرية، تعزز العلاقات الشخصية طويلة الأمد. يجب على الدول الأوروبية أن تعمل بتنسيق تام. إن لم يكن ذلك بمشاركة الجميع، فليكن على الأقل بمشاركة الأعضاء الأربعة أو الخمسة الأكثر نفوذاً في الاتحاد الأوروبي. هناك الكثير من الكلام حول هذا الموضوع، ولكن عندما يكون الأمر مهماً حقاً، لا يجيب أحد على الهاتف أحيانا، حتى في برلين.

غيرلاخ في حوار مع تواضروس الثاني، رئيس الكنيسة القبطية الأرثوذكسية في مصر.
غيرلاخ في حوار مع تواضروس الثاني، رئيس الكنيسة القبطية الأرثوذكسية في مصر. © privat

كيف يمكن لألمانيا أن تتصرف بمصداقية في الشرق الأوسط وهي تواجه في الوقت نفسه مصالح جيوسياسية وقضايا أمنية ونقاشات حول القيم؟

المنطقة ليس لها مشكلة مع سياسة المصالح. لكن لا ينبغي أن يكون الشرق الأوسط مجرد خلفية أو شاشة عرض لأجندات سياسية داخلية لا علاقة له به. خاصة في ضوء السياسة الألمانية تجاه الحرب في غزة، في كثير من الأماكن يتعين على المرء أن يبدأ من الصفر حتى يتمكن من مناقشة القيم، أو المعايير مثل القانون الدولي. لقد فقدت ألمانيا مصداقيتها، التي كان بإمكاننا بالتأكيد استخدامها في ملفات السياسة الخارجية الأخرى مثل روسيا أو إيران.

يجب أن تأخذ القرارات الجيوسياسية في الاعتبار الحقائق المحلية والاجتماعية والسياسية.
دانييل غيرلاخ

كيف ينبغي أن تكون سياسة ألمانيا تجاه الشرق الأوسط لتحقيق مساهمة أكثر استدامة في تعزيز السلام؟

عندما قلت في البداية أن الفاعلين المحليين في الشرق الأوسط يفكرون جيوسياسياً بسبب خبرتهم، فإن العكس صحيح أيضاً. يجب أن تأخذ القرارات الجيوسياسية في الاعتبار الحقائق المحلية والاجتماعية والسياسية. هناك عدد من الأدوات لتعزيز السلام، مما يساهم في أمننا وازدهارنا. وحسب البلدان المختلقة، فإن هذا يشمل علاقات دبلوماسية جيدة، وتجارة، وتعاون اقتصادي، وتبادل علمي وثقافي، ولكن أيضاً قضاءً وجيشاً وأجهزة استخبارات تتسم باليقظة وتحظى باحترامنا. وأخيراً، المجتمع المدني في شكل منظمات مهنية تحافظ على الحوار ولا تعتمد على جداول الأعمال قصيرة الأجل، ولا تتأثر بالدورات الانتخابية والتغييرات المستمرة في التعيينات الوزارية. إنها تمتلك ذاكرة مؤسسية تفتقر إليها أحيانًا الوكالات الحكومية.