دعم المرأة في العالم

حاملة جائزة نوبل، ناديا مراد تكتب هنا حصريا عن أهمية المساواة للسلام العالمي.

Nadia Murad
Nadia Murad Elliot O'Donovan via Nadia's Initiative

الثامن من آذار هو يوم المرأة العالمي. ولذلك نقدم لكم في حملتنا "السيدات ترسمن مستقبلنا" مشاريع وشخصيات ملهِمة من ألمانيا، ونعرض لكم كيف يكرس النشطاء جهودهم لتعزيز حقوق المرأة حول العالم.

عن الكاتبة: الشابة اليزيدية ناديا مراد نجحت في موطنها العراق بالكاد في الهروب من قبضة تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" الإرهابي، ووصلت إلى ألمانيا عن طريق برنامج مساعدة. منذ 2016 تعتبر أول مبعوثة خاصة لصيانة كرامة الناجين من الاتجار بالبشر في منظمة الأمم المتحدة. اعترافا بجهودها نالت في عام 2018 جائزة نوبل للسلام.

حملة اليوم العالمي للمرأة 2022 تشجعنا على تصور عالم تسوده العدالة بين الجنسين. إلا أنني أقول أنه لا يتوجب علينا تصور هذا العالم إطلاقا. الأحرى بنا أن نبدأ ببنائه فعليا، بشكل مباشر.

لقد تصورت حاتي بشكل مختلف تماما عما أعيشه اليوم. إلا أن عالم الواقع الحافل بالظلم، الذي نعيشه، والذي يمزيه العنف والحرب قادني إلى طريق مختلفة. ولكنني اليوم أرفع صوتي بكل فخار، من أجل النساء اللواتي سُرِقَت أحلامُهن، كما سُرِقَت أحلامي.  أستخدم صوتي، عسى أن يأتي ذات يوم تصبح فيه المساواة بين الجنسين حقيقة، وحيث لا تضطر فيه سيدة أو فتاة للتخلي عن أحلامها أو آمالها، في سبيل الحفاظ على الوضع الراهن الظالم.

عندما تتحطم أحلامك

أدركت منذ طفولتي أن طبيعة الجنس تعلب دورا أساسيا في التجارب الفردية. شاهدت الفاقة التي تعانيها أمي كمربية وحيدة لنا في مدينتنا سنجار في العراق، حيث لم تكن معاناتها واضطهادها قائمين على كونها أنثى فقط، وإنما بسبب انتمائها الديني. رغم هذا التمييز العنصري حاولت مرارا الدفاع عن حقوقها الشخصية وحقوق أطفالها، وامتنعت عن تلبية توقعات المجتمع الذكوري. لقد تعلمت الكثير من شجاعتها. كنت متأكدة منذ طفولتي أنني سوف أسير على خطا أمي. لن ألتزم بالأعراف الاجتماعية. سوف أحقق أحلامي، التي أوحت لي بها وشجعتني عليها.

ولكن هذه الأحلام سرعان ما انفجرت وذهبت أدراج الرياح. كنت شابة عندما هاجم مسلحو تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" بلدتنا اليزيدية في 2014. كان اعتداء وحشيا، اعتبرته منظمة الأمم المتحدة جريمة إبادة جماعية. آلاف اليزيديين من رجال ونساء تم ذبحهم في سنجار، من بينهم أيضا أمي وستة من إخوتي. حوالي 40000 إنسان هربوا سيرا على الأقدام باتجاه جبل سنجار المجاور ونحو المناطق الكردية القريبة. في أجواء الرعب والخوف تمزقت العائلات وتفرقت. هرب الناس فرادى، لا يحملون أكثر من ملابسهم التي تغطي أجسادهم.

واجهوا العطش والجوع وتقلبات الطقس المرعبة، وهو ما أودى بحياة الكيرين منهم. إلى جانب القتل الجماعي، عمد تنظيم داعش إلى اختطاف ما يزيد عن 6500 طفل وامرأة يزيدية. غالبيتهم، وأنا من بينهم، تم استعبادهم جنسيا. تم الاتجار بنا مثل أي شيء آخر من الممتلكات. في النهاية تمكنت من الهرب والنجاة بوصولي إلى معسكر للاجئين. بعدها حصلت على اللجوء إلى ألمانيا، البلد الذي أفتخر اليوم بأنني اتخذت منه موطنا اختياريا.

آخرون لم يحالفهم الحظ مع الأسف. بعد حوالي ثمان سنوات مازال حوالي 2800 طفل وامرأة سجناء أو مفقودين. مئات الآلاف هربوا وتمكنوا من النجاة من داعش، ولا يستطيعون الآن العودة إلى سنجار. نحن نعيد بناء بلدتنا تدريجيا الآن.  

الاعتداء على حقوق المرأة وتجاهلها يهدم المجتمعات ويعيق التنمية

ناديا مراد، حاملة جائزة نوبل
في 2014، ناديا مراد (في الوسط) ناجية من المذبحة اليزيدية
في 2014، ناديا مراد (في الوسط) ناجية من المذبحة اليزيدية picture alliance/KEYSTONE

 محاربة العنف الجنسي

لم يكن العنف القائم على السلوك الجنسي ضد المرأة اليزيدية محض المصادفة، ولم يكن نوعا من التأثيرات الجانبية للنزاع المسلح، وإنما كان أحد الأسلحة الرئيسية لتنظيم داعش. الجناة يدركون تماما أثر العنف والاستغلال الجنسي. الاعتداء على حقوق المرأة وتجاهلها أيضا – وليس فقط الاعتداء الجنسي – يهدم المجتمعات ويعيق التنمية.

هذه العينة نراها في كل مكان في العالم. عندما يتم تهميش المرأة يتعرض المجتمع لعدم الاستقرار. داعش كان يدرك هذا، ويعرف تماما أن المرأة والفتاة تلعب دورا محوريا في استقرار المجتمع، وكذلك دورا أساسيا في إعادة الإعمار، وإعادة بناء هذا المجتمع بالذات. في كثير من الأحيان يتم اتخاذ القرارات لصالح النساء، وخاصة الناجيات من العنف الجنسي. كما تتلقى المرأة كثيرا من الوعود الفارغة من الحكومات والمنظمات المختلفة، إلا أنه يتم استبعادها فيما بعد في عمليات البحث عن الحلول واتخاذ القرارات.

لهذا السبب أشرف إلى جانب عملي من أجل الناجين من جرائم القتل الجماعي والعنف الجنسي أيضا على منظمة مبادرة ناديا، التي تسعى إلى تحقيق عالم تعيش فيه المرأة بسلام، وحيث تتم بمشاركتها إعادة بناء المجتمعات التي تعاني من آثار العنف والصدمات. ولدينا هدفان رئيسيان. أولا: توفير الخدمات والموارد الرئيسية الأساسية للمعيشة في وطني، حيث تعاني المنطقة تحت وطأة ما تعرضت له من خسائر فادحة وظلم كبير. ثانيا: الكفاح من أجل فرض تغييرات سياسية في العالم تمنع بشكل خاص العنف الجنسي في مناطق النزاعات، وتحمي ضحايا مثل هذه الاعتداءات، وتوفر لهم الدعم والمساعدة اللازمين.  

نادية مراد ودينيس موكويجي
في 2018، ناديا مراد وطبيب النسائية الناشط في مجال حقوق الإنسان دينيس موكويغي يتسلمان جائزة نوبل للسلام.
picture alliance / NTB scanpix

بمساعدة الهيئة الألمانية للتعاون الدولي (GIZ) نجحنا على سبيل المثال في إعادة تأهيل 438 أسرة ريفية تعيلها النساء، وقمنا بتأمين مستلزمات المعيشة لها وتوفير التأهيل المهني للنسوة المعيلات، بحيث أصبح بمقدورهن الآن الزراعة وفق أسس الاستدامة. في ذات العام قمنا في سنجار بتنفيذ أول برنامج احتضان لمشروعات صغيرة أسستها النساء، ونجحنا في خلق آمال وآفاق جديدة لسبع وخمسين سيدة من الناجيات من سجون داعش. وقد حقق المشروع نجاحا باهرا، إلى درجة أننا قمنا بتحضير حملة ثانية من الدعم والمساعدة من أجل دعم 50 سيدة أخرى.

تعزيز دور المرأة بصفتها عنصرا أساسيا من عناصر التغيير

لا غنى عن المرأة في حل المشكلات. الناجيات هن أكثر من يعرف ويقدر ما تحتاجه مجتمعاتهن من أجل إعادة النهوض.   

لا يمكننا فصل دعم ومساعدة الناجين عن إعادة بناء وهيكلة المجتمع اليزيدي بالكامل، كما لا يمكن الفصل بين العنف الجنسي وبين اللامساواة الشاملة والممنهجة بين الجنسين. لدينا نحن النساء الكثير مما يمكن أن نقدمه، إلا أننا سنكون قادرين على العطاء الحقيقي عندما يتم احترام حقوقنا الأساسية.  

بدون العدالة والمساواة بين الجنسين تبقى إمكاناتنا في المشاركة في عمليات التحول والتطوير محدودة، ولن نكون قادرين على تجنب أو منع الكثير، مما أصاب الآخرين، وما أصابنا أنا وأبناء منطقتي. يجب علينا أن نعمل بنشاط وفعالية من أجل الوصول إلى العدالة والمساواة بين الجنسين، فبدونها تبقى محاولاتنا الرامية إلى إنهاء العنف الجنسي والسعي إلى عدم تكرار تجربة اضطرار أحد إلى الهروب من وطنه، محكوما عليها بالفشل. وهذا ما لا يجوز قبوله أو السماح به.

سواء من خلال التشجيع على العمل والمشاركة السياسية، أو دعم المرأة في مكان عملها، أو عبر انتخاب النساء لتولي مراكز سياسية قيادية، فإن ألمانيا تقدم لنا مثالا رائعا يحتذى ويمكن السير على خطاه. ولكن لا يجوز اللجوء إلى السكينة قبل أن يتحقق هذا لكافة مجموعات النساء في جميع أنحاء العالم.   

يجب علينا التفكير، بما يمكننا أن نقدمه جميعا ضمن هذا الإطار، كأفراد، أو منظمات، أو أمم، بحيث يمكن الوصول إلى هذا الهدف. نحن بحاجة إلى قرية عالمية لكي نضمن أن للمرأة ذات الحقوق، وأن صاحبات القرار واللواتي يصلن إلى مناصب قيادية عليا يتم احترامهن والأخذ بآرائهن. يمكننا تغيير وجه العالم عبر الاستثمار في المرأة والشابة، ومن خلال الحيلولة دون وقوعها ضحية العنف وإتاحة الفرص لها لإيصال صوتها ونشر حكاياتها وتجاربها وأفكارها.

يمكننا تغيير وجه العالم عبر الاستثمار في المرأة والشابة، ومن خلال الحيلولة دون وقوعها ضحية العنف وإتاحة الفرص لها، لإيصال صوتها ونشر حكاياتها وتجاربها وأفكارها.

ناديا مراد، حاملة جائزة نوبل

أنا على ثقة تامة من ألمانيا سوف تستمر في موقعها الريادي وستبقى القدوة في تشجيع الآخرين على تحقيق تقدم جوهري، في الجهود الرامية إلى محاسبة كل منتهك لحقوق الإنسان، إضافة إلى تحقيق مشاركة المرأة في المفاوضات والسماح لها بلعب دور فعال، من أجل تحسين مجتمعنا وتطويره.

كلي أمل في أن الكثير من البلدان الأخرى سوف تقوم بالخطوات السياسية المطلوبة، التي تدعم المرأة وتعزز حقوقها وحمايتها من العنف الجنسي في أماكن النزاعات، لأنني أعرف تماما أن النساء من أصحاب القرار، والرجال الذين يدعموهن سوف يعملون على بلوغ هذه الأهداف والتطلعات. الناس الذين يدركون أننا نعيش معا، ويجب أن ننهض معا. لأن باستطاعتنا معا الوصول إلى عالم أفضل. لأننا معا يمكننا الحيلولة دون أن يمر أناس آخرون بما مرت به بلدتي، ونتجنب تكرار المعاناة التي عاناها أبناؤها.

المقدرة الأنثوية على القيادة القوية

ما يواسيني هو معرفة حقيقة أنه بفضل الكثير من الأمثلة النسائية في مختلف أنحاء العالم ليس هناك شك في أن المرأة قادرة أن تكون ذات تأثير إيجابي بناء في مختلف جوانب الحياة، وأن تتولى القيادة أيضا. إلا أن قدراتنا وإمكاناتنا لا يجوز أن يتم تقييمها على أنها "معادلة لقدرات الرجل"، وإنما على أن لها مزاياها وصفاتها الخاصة بها.

تذكرني النساء باستمرار بماهية مواهبنا في مختلف النشاطات والمساعي: طبيعتنا المهتمة والمتعاطفة وتضامننا مع الآخرين وقدرتنا على أن نكون القدوة لهم. لقد تمكنا منذ أمد بعيد من إثبات قدرتنا وأهليتنا للمشاركة في بناء المجتمعات والدول وتعزيز صمودها، ولكن الآن يجب ن يعترف بها أيضا أولئك الذين مازالوا متمسكين بالتوزيع غير المتكافئ للقوة، والذي يعود عليهم هم فقط بالفائدة. لقد آن الأوان للاعتراف بأن الكثير من هذه القدرات والمهارات النسائية ضرورية على الساحة السياسية الدولية، ومن أجل التطور والتنمية، إذا كنا نسعى بالفعل إلى خلق عالم متنوع تعددي أكثر عدالة وشمولية.

للمزيد عن مبادرة ناديا https://www.nadiasinitiative.org/

© www.deutschland.de