جنباً إلى جنب لبناء منازل جديدة من الأنقاض
إعادة بناء مناطق الحرب السابقة باستخدام الأنقاض؟ مهندس البناء ألفونس شفيدرسكي من مدينة ماينز يشرح كيف يمكن هذا.
عندما يرى ألفونس شفيدرسكي أحياء مهدمة في حلب أو في قطاع غزة، فإنه لا يفكر بالخسارة فقط. فهو يفكر أيضا بالمواد. يفكر ببقايا الإسمنت، والطوب والأنقاض التي يمكن استخدامها في تشييد مبان جديدة. فقد قام المهندس الإنشائي من ماينز بتطوير حجر مصنوع من هذه المواد تحديداً. وهو يحمل الاسم «RE.CK» اختصارا لإعادة تدوير الطوب.
«حجرنا يحتوي على وصلة وحافة، لذلك يمكن وضعه ببساطة فوق بعضه البعض بدون استخدام الملاط»، يوضح شفيدرسكي. حتى العمال غير المهرة يمكنهم المشاركة في البناء. يزن كل حجر حوالي أحد عشر كيلوغراماً ويمكن نقله بدون آلات. بهذه الطريقة يريد شفيدرسكي أن يجعل عملية إعادة البناء أسهل وأسرع. وتقوم فكرته على نظام معياري مصنوع من مواد معاد تدويرها، مما يجعل من الممكن إنشاء مساكن منخفضة التكلفة وبسيطة نسبياً في مناطق الحرب ومناطق الأزمات.
وقد زار شفيدرسكي حلب مؤخرا بغية التعريف بنظامه الجديد في الموقع. وبالتعاون مع مهندسين سوريين يعملون في ألمانيا، يعمل الآن على التحضير للخطوة التالية: حيث يتوجب حصول مادة البناء الجديدة على التراخيص من الجهات الحكومية في سورية. كما هي الحال في ألمانيا، فإن سلطات البناء هناك تقرر أيضاً المواد المعتمدة لبناء المنازل.
منذ عام 2016 يقوم المهندس المدني البالغ من العمر 58 عامًا من مدينة ماينز بمساعدة اللاجئين، وخاصة من سوريا وأفغانستان. وقد أسس شركة بهدف توفير أماكن للسكن لهم. ثم افتتح شركة هندسية معمارية مع الرسام الهندسي المعماري عمر حليمة، وهو من سورية. ويعمل الاثنان معاً على المشروع، الذي يهدف إلى تسريع عملية إعادة الإعمار.
من يريد إعادة بنا بيته بجهوده الذاتية ودفع تكاليف ذلك من موارده الخاصة سوف يكون فخورا بما أنجزه من هذا البناء.
قام عمر بتأسيس العلاقات في الموقع؛ ويقوم الاثنان حالياً بتبادل المعلومات مع جامعة حلب. وكانت الجامعة قد أجرت أبحاثاً حول موضوع إعادة التدوير قبل الحرب، وهي الآن تُظهر اهتماماً متجدداً به. يرى شفيدرسكي أنه من المهم العمل مع الشركاء المحليين على قدم المساواة: «لا أحد ينتظر منا ذهابنا إلى الموقع وشرح العالم للسكان المحليين».
ويؤكد أن مشروع ماينز يهدف إلى تحقيق ثلاث نقاط: تسهيل عملية إعادة الإعمار وتأمين المساكن وتوفير فرص العمل. وهو يقول: «ينبغي على الناس المشاركة في البناء، وعلى سبيل المثال، الحصول على المنازل التي يعيشون فيها من خلال نظام الإيجار المنتهي بالتملك». ويضيف شفيدرسكي أن ذلك سيساهم في الشعور بامتلاك المرء لمساحة معيشته الخاصة التي لا يمكن طرده منها. «أولئك الذين يبنون بيوتهم بأنفسهم ويسددون ثمنها بأنفسهم يفخرون بما بنوه» في حلب، تضاعفت الإيجارات في العام الماضي، كما أن الحاجة إلى السكن ملحة.
تم التخطيط لبناء نموذج.
يبحث شفيدرسكي وزميله عمر حليمة الآن عن قطعة أرض في سورية لبناء نموذج عليها وإثبات أن المباني متعددة الطوابق ممكنة أيضاً.
وقد اجتاز الحجر، الذي طوره شفيدرسكي بالتعاون مع شركة بوليكير من ولاية تورينغن اختبار قوة الضغط بالفعل. وهذا يعني أنه يمكنه تحمل الأحمال العالية وهو مناسب أيضًا للجدران الحاملة. وهذا أمر بالغ الأهمية، لأنه في حلب، وفي المستقبل أيضاً في قطاع غزة، هناك حاجة إلى إنشاء مساحة سكنية كبيرة في منطقة صغيرة، وغالباً ما يكون ذلك في مبانٍ متعددة الطوابق.
يتواصل شفيدرسكي حاليا مع شركة ناشئة في غزة من أجل تجربة مادة البناء الجديدة هناك أيضاً. إن الدمار هناك أوسع نطاقاً مما هو عليه في حلب؛ فالمنطقة تعرضت للقصف بشكل شبه كامل. حالياً، لا تعمل خدمات الإنترنت والهاتف بشكل كافٍ، مما يجعل التواصل صعباً. لذلك، يركز مهندس الإنشاءات في ماينز وفريقه في البداية على سوريا. على المدى البعيد، يرغب شفيدرسكي في إنشاء نظام البناء الجديد أينما توجد مخلفات البناء. ويأمل في الحصول على دعم من هيئة التعاون الإنمائي الحكومية الألمانية.
البناء باستخدام كمية أقل من الإسمنت
لإنتاج طوب «RE.CK»، يتم طحن مخلفات البناء إلى أحجام حبيبات محددة، والتي يتم خلطها مع عامل رابط بنسبة محددة بدقة. يتكون هذا الرابط من نسبة صغيرة من الإسمنت والرماد والطين أو الطمي.
ويمكن تصنيع الحجر باستخدام الآلات القياسية لإنتاج الكتل المجوفة، ومع ذلك، يجب استبدال القالب الفولاذي للآلة. يدرس شركاء المشروع حاليًا مدى تعقيد هذا الأمر وتكلفته. وهم على ثقة بأن "RE.CK" سيكون أرخص من الأحجار التقليدية. علاوة على ذلك، يتحقق التوفير في الموارد، حيث كان من المفترض سابقا استيراد مواد البناء مثل الرمل أو الحصى إلى غزة على سبيل المثال.
يعتبر الإسمنت مادة باهظة الثمن نسبياً محلياً ويلوث البيئة، لذلك تم تخفيض النسبة في المادة الرابطة من النسبة التقليدية البالغة 25 بالمائة إلى ثلاثة بالمائة. يرغب شفيدرسكي في الاستغناء عن الإسمنت تمامًا، لكن ذلك غير ممكن حتى الآن. هذا وتساهم إعادة تدوير المواد في حماية المناخ، وكذلك تقليل كمية الإسمنت المستخدمة. ويرجع ذلك إلى أن إنتاج الأسمنت يؤدي إلى انبعاث كميات كبيرة من غازات الاحتباس الحراري مثل ثاني أكسيد الكربون.
المشاركة الاجتماعية كهدف
«لا يمكن للابتكار أن ينجح في هذه البلدان إلا إذا كان هناك الكثير من الناس مهتمين به وتضافرت جهودهم»، يقول شفيدرسكي. لذلك يشعر المهندس الإنشائي بسعادة بالغة لأن الخبراء ذوي الاهتمامات المماثلة يتواصلون معه، ولأن العلاقات مع العلوم يتم إقامتها. «في سورية، نبحث عن أشخاص يشاركوننا نفس الشغف، لأننا نهتم أيضاً بالمشاركة المجتمعية». ربما من بين أنقاض المدن المدمرة، لن تظهر منازل جديدة فحسب، بل ستظهر أيضاً آفاق جديدة لسكانها.