الحياة بين عالمين

شتيفان شتاينلاين، سكرتير دولة في وزارة الخارجية الألمانية، يتحدث عن سيرته الذاتية قبل التحول الكبير وبعده.

السيد شتاينلاين، السنوات 1989 حتى 1990 تعني بالنسبة لك - كما بالنسبة للكثيرين من أبناء ألمانيا الديمقراطية السابقة أيضا - تحول جذري على الصعيد الشخصي. ما هو شعورك عندما تستعيد ذكريات تلك الحقبة؟

 

حتى الآن تراودني مشاعر الحظ الكبير. عندما أرى اليوم صور فتح الحدود وتجاوز الجدار، يكاد الدمع ينهمر من عيني. ومع مرور السنوات يزداد شعوري بالامتنان أيضا. إنه أشبه بالمعجزة أن ينتهي القرن العشرين "الأسوَد" بالنسبة لألمانيا، بهذه الطريقة السعيدة.

 

وماذا عن المناضلين من أجل الحرية وحقوق الإنسان في ألمانيا الديمقراطية آنذاك، هل يحظى اليوم دورهم وتضحياتهم التي ساهمت في تحقيق التحول الكبير بما يستحقونه من التقدير والتكريم؟ وما الذي بقي من نشاط هؤلاء الرجال والنسوة؟

 

يوجد العديد من النشاطات التي يشارك فيها قادة ومناضلو تلك الحقبة كشاهدين على العصر، بالإضافة إلى مجموعة كبيرة من المقالات والكتب. ثقافة الذكرى مازالت حية حتى الآن. ولكن لا يجوز أن ننسى أن التحول لم يكن نتيجة جهود فئة قليلة فقط. لقد كان التحول أيضا شكلا من أشكال الولادة الجديدة للديمقراطية الألمانية: إنجاز قام به عشرات الآلاف من الذين خرجوا إلى الشوارع، وحطموا الجدار في النهاية، بأيديهم وقلوبهم وأرواحهم. بعد 1945 كانت الديمقراطية في البداية لَفتَة كريمة أو مِنحَة من القوى الغربية. وقد احتاجت إلى التساؤلات المحرجة لجيل 1968 لكي تترسخ وتتعمق في العقول. في المرة الثانية حارب الناس من أجل الديمقراطية بالكثير من الشجاعة والعصيان المدني والوعي الشعبي. وهذا بالنسبة لي هو الإرث الأهم المُتَبقّي من 1989 وسوف يبقى كذلك.

 

هل بات من الواضح سريعا بالنسبة أنك ستكون ناشطا في السلك الدبلوماسي لألمانيا الموحدة؟ لقد كنت تسعى في الأصل إلى منصب بروفيسور في "تاريخ الكنيسة".  

 

أكثر ما كنت أعاني منه في ألمانيا الديمقراطية هو الضيق والكبت الفكري. تاريخ الكنيسة يهتم أيضا بالعالم بأسره! أستاذي الكبير والمشرف على رسالتي في الدكتوراه، فولفغانغ أولمان، كان واحدا من قادة الناشطين على صعيد الحقوق المدنية في ألمانيا الديمقراطية. وقد سألني في ربيع 1990، فيما إذا كنت مستعدا لإدارة مكتبه كعضو في البرلمان. في ذات الوقت جاءني عرض لأعمل كسفير في باريس لصالح الحكومة المؤقتة. وقد اخترت العمل في السياسة الخارجية لأنني آنذاك كنت أعتبر عودة الوحدة مسألة أوروبية شاملة، وليست مسألة ألمانية فقط. وكنت قد بدأت في منتصف الثمانينيات ببناء علاقات مع المعارضة البولونية. وقد عشت فترة التحول نفسه كطالب دكتوراه في ستراسبورغ. العلاقة مع جيراننا الأوربيين كانت متأصلة عندي. على ضوء هذا، كانت الخطوة في وزارة الخارجية بالنسبة لي، خطوة منطقية صحيحة.

 

هل مازالت أجواء عملك وشروطه اليوم تتأثر في كون المرء من شرق ألمانيا أو من غربها؟

 

إطلاقا. إلا أنني أفرح دوما عندما أقابل اليوم أشخاصا في شتى أنحاء العالم، وهم يتحدرون من زاكسن أو براندنبورغ أو مكلنبورغ-فوربومرن على سبيل المثال. كثيرون منهم حققوا نجاحات كبيرة، أيضا بفضل ما اكتسبوه من معارف وخبرات من ألمانيا الديمقراطية السابقة.

 

هل ألمانيا العام 2015 باتت بلدا مختلفا عما كانت عليه جمهورية ألمانيا الاتحادي قبل عودة الوحدة إلى البلاد؟

 

في 1990 انتهت مرحلة ما بعد الحرب إلى غير رجعة. مُوَرّثات السياسة الخارجية لألمانيا الاتحادية لم تتغير مع ذلك التاريخ: الحلف العميق مع الطرف الآخر من الأطلسي، الالتزام بأوروبا، دعم حق إسرائيل في الوجود، سياسة الانفراج والوفاق، التعاون المتعدد الأطراف، تبقى جميعها العناصر الأساسية في السياسة الخارجية. إلا أن النظرة إلى ألمانيا باتت اليوم مختلفة، كما أصبح مطلوب منها أمور مختلفة عنما كان مطلوبا على مدى عقود من الزمن.  يقول البعض أن ألمانيا قد "كَبُرَت". لا أستسيغ هذا التعبير. الدول لا تكبر وتهرم مثل الناس، وحتى إذا ما فعلت ذلك، فإن ألمانيا كانت أمة "كبيرة" من قبل. لم تولد ألمانيا في العام 1989، ولم تكبر في ذلك العام أيضا، إلا أنها، ودون أدنى شك، تولت مع ذلك العام دورا أكبر ومركزا أكثر وضوحا وأهمية.

لم يعد بإمكاننا الاختباء وراء الآخرين، عندما يدور الأمر حول العمل من أجل عالم أكثر سلما. لقد باتت مسؤوليتنا أكبر بكثير: عن كل ما نفعله، وعن كل ما لا نفعله.

 

كيف يتعامل الألمان اليوم مع تاريخهم المختلف وخبراتهم المختلفة بين الشرق والغرب؟

 

أتمنى أن يفعلوا ذلك بفضول وانفتاح. التنوع الذي يتشارك فيه الجميع يزيد من غنى البلاد وثروتها. وكان هذا يسري أيضا في السابق، حتى في "حفل زواج" الدولة القومية، كما يسري اليوم أكثر بكثير في ظل العولمة. لا شك أن لدينا تجارب مختلفة بين الشرق والغرب، ولكن لدينا أيضا تجارب أكثر اختلافا وتنوعا، مع جميع الناس القادمين من بلدان أخرى إلى بلادنا. بل أكاد أقول هذا بصيغة الماضي: عودة الوحدة كانت قصة نجاح خالص، وانتهى. التحدي الكبير اليوم هو الاستمرار في هذا التاريخ الناجح في لقائنا وتعاملنا مع بعضنا البعض، مع مراعاة الناس القادمين إلينا من بلدان أخرى. بهذا يتميز مستقبل مجتمعنا ومستقبل ديمقراطيتنا.

 

ما هو شكل النظرة في الخارج إلى ألمانيا الموحدة اليوم، حسب رأيك كدبلوماسي؟ هل تلعب تجربة التقسيم أي دور في تبادل الحوار والنقاش مع الشركاء الآخرين؟

 

من أجل العودة إلى البدء: من كان يظن قبل 70 عاما أن ألمانيا سوف تحظى بفرصة ثانية؟ والآن، قد حصلنا على هذه الفرصة الثانية. ونحن اليوم واحدة من أكثر دول العالم نجاحا وأوفرها احتراما. وأنا آمل أن نتعامل بذكاء مع هذا التحول الجميل والمحظوظ في تاريخنا. بالمناسبة: بدل الحديث عن خبرة التقسيم، أفضل اليوم وصفها خبرة التمكن من النجاح في التغلب على التقسيم. وهذا يشكل بَصيص أمَل في الأفق، في عالم يزداد تَجزِئَة باستمرار.