الستة معاً يصلون إلى الهدف

الثورات لا تعلن عن نفسها وإنما تحدث. وهذا الذي يجعل حسابها صعباً. سقوط الجدار الذي كان يقسم ألمانيا يضع أيضاً السياسة الخارجية الألمانية في خريف 1989 أمام تحد غير محسوب. عملية "اثنين زائد أربعة" هي الرد على الوضع الجديد وعلى التزام قديم: منذ عام 1949 يحث القانون الأساسي (الدستور) الألمان على "استكمال وحدة وحرية بلدهم في استفتاء حر لتقرير المصير".

picture-alliance/dpa

كان تقسيم ألمانيا عقوبة لها على حملة الاحتلال والسطو والإبادة بين عام 1939 وعام 1945-وهو نتيجة لعدم اتفاق الحلفاء المنتصرين في قضية المسألة الألمانية. فمع مرور السنين تحول خط لوبك هيلمشتيت-آيزناخ-هوف، الذي كان في الأصل خطاً فاصلاً بين منطقة الاحتلال السوفييتي ومناطق الاحتلال الأمريكية والبريطانية والفرنسية، إلى حدود ثابتة بين دولتين ألمانيتين. ومنذ صيف 1961 حوّلها حكام النظام الألماني الشرقي غير الشرعي، ببناء الجدار ومد الأسلاك الشائكة وزرع حقول الألغام، إلى حاجز لم يعد عملياً من الممكن تجاوزه.

فهي لم تفصل بين جمهورية ألمانيا الاتحادية التي تأسست في مايو/أيار 1949 وجمهورية ألمانيا الديمقراطية التي تأسست بعد ذلك بأشهر قليلة وحسب. بل إن من يريد عبور الجدار أو تجاوزه يتعين عليه الاعتراف بنتائج الحرب العالمية الثانية -ويحتاج إلى موافقة الحلفاء المنتصرين. ولقد قامت الحكومة الألمانية بالخطوة الأولى بين عام 1970 وعام 1972: فقد أبرمت بون اتفاقيات مع الاتحاد السوفييتي وبولونيا وجمهورية ألمانيا الديمقراطية أقرت بموجبها حقيقة تقسيم ألمانيا وقبلت بالحدود على امتداد نهري أودر ونايسه كحدود غربية لبولونيا.

أما الخطوة الثانية فكانت تحتاج إلى تغيير الاتحاد السوفييتي موقفه من المسألة الألمانية. لكن هذه الخطوة كانت مستبعدة تماماً إلى أن بدأ ميخائيل غورباتشوف الأمين العام الجديد للحزب الشيوعي السوفييتي سنة 1985 بتعديل جذري وشفاف لبناء الامبراطورية السوفييتية المتهاوية. وما كان في الأصل مخططاً كتجديد داخلي اكتسب خلال وقت قريب ديناميكية ثورية ذاتية لم يعد الكرملين يستطيع التحكم بها. أدى الإصلاح إلى انفصال شمل عاجلاً أم آجلاً جميع شعوب الاتحاد السوفييتي والشعوب الخاضعة للنفوذ السوفييتي في أوروبا بمن فيهم سكان جمهورية ألمانيا الديمقراطية.

ولكن وبما أن قيادة الحزب والدولة في برلين الشرقية رفضت الإصلاح راح الناس يبحثون عن الإنقاذ عن طريق الهرب. قادتهم الطريق إلى تشيكوسلوفاكيا المجاورة ومن هناك عبر هنغاريا إلى النمسا.

وبينما أبدى الإصلاحيون الهنغاريون دعمهم وأعلنوا في 10 سبتمبر/أيلول 1989 فتح الحدود مع النمسا اتبعت القيادة التشيكوسلوفاكية طريقاً معاكساً وأغلقت حدودها مع هنغاريا.

وهكذا أصبحت سفارة بون في براغ المأوى الذي لجأ إليه الراغبون في الخروج. في نهاية سبتمبر/أيلول بلغ عدد الموجودين على أرض السفارة نحو 5000 شخص. وظهرت بوادر حدوث شيء مشابه في وارسو. حالة لا يمكن تحملها. وبعدما وجد هانس- ديتريش غنشر حلاًَ على هامش انعقاد الجمعية العمومية للأمم المتحدة في نيويورك، كان في وسعه أن يعلن مساء 30 سبتمبر/أيلول للمعتصمين في حديقة السفارة الألمانية في براغ أنهم يستطيعون السفر إلى جمهورية ألمانيا الاتحادية. سارت الرحلة، وفق شرط وضعته جمهورية ألمانيا الديمقراطية، في قطارات خاصة عبر أراضيها. وكان هذا شرطاً جنونياً إذ إن قطارات اللاجئين القادمين من براغ ووارسو زادت من شدة الضغط على نظام الحكم في برلين الشرقية. وحتى سقوط إيريش هونيكر أمين عام الحزب الاشتراكي الألماني الموحد لم يعد قادراً على تغيير أي شيء.

مئات الآلاف من الناس نزلوا الآن إلى الشوارع وراحوا يطالبون بإمكانات غير مشروطة للسفر. وفي مساء التاسع من نوفمبر/تشرين الثاني تعين على السكرتير الإعلامي للحزب الاشتراكي الألماني الموحد أن يبدي رأيه بهذا التطور. فعندما سئل، متى يدخل قانون السفر الجديد حيز التنفيذ، أجاب غونتر شابوفسكي في حوالي الساعة السابعة مساءً -أمام كاميرات التصوير التلفزيوني وكان واضحاً أن الوضع استنفد منه كل طاقاته- "حالاً، على الفور". وبذلك تسبب في حدوث تحرك جماهيري كبير باتجاه الجدار وكان هذا التحرك بدوره بداية النهاية لجمهورية ألمانيا الديمقراطية. في حوالي الساعة العاشرة والنصف ليلاً رضخ جنود الحدود للضغط وفتحوا على المعبر الحدودي "بورنهولمر شتراسه" الحاجز الأول.

وما إن فتح الجدار حتى هرع مواطنو جمهورية ألمانيا الديمقراطية إلى الحدود الغربية ولم يتركوا مجالاً للشك في وجهة الرحلة. عندئذ تعين على القيادة السياسية أن تتصرف. في 28 نوفمبر/ تشرين الثاني تلا المستشار الألماني هلموت كول أمام البرلمان الاتحادي (البندستاغ) بياناً اشتهر تحت اسم "برنامج النقاط العشر". انطلاقاً من الواقع التاريخي اعتبر هلموت كول "الوحدة الألمانية" هدفاً غير قابل للتحقيق على المدى القصير. ومما بدا له واقعياً في ذلك الوقت "هياكل كونفدرالية".

ولكن بعد أقل من ثمانية أسابيع اشتد الضغط على أصحاب القرار السياسي في داخل ألمانيا وخارجها إلى درجة أن الوحدة بدت وكأنها قد أصبحت مسألة وقت لا أكثر. وهذا ما تهيأ له فعلاً وزيرا خارجية الدولتين الألمانيتين ووزراء خارجية القوى الأربعة المنتصرة في الحرب العالمية الثانية عندما اجتمعوا في أوتاوا. كانت مناسبة اجتماعهم آنذاك إجراء محادثات بين حلف شمال الأطلسي (ناتو) وحلف وارسو حول مسألة المراقبة من الجو. في 13 فبراير/شباط 1990 أعلنت الأطراف الستة عزمها عما قريب على التحدث عن "الجوانب الخارجية لتحقيق الوحدة الألمانية". ومنذ منتصف مارس آذار تولى التحضير لهذه المحادثات المدراء السياسيون في وزارات الخارجية. وفي الخامس من مايو/أيار التقى وزراء الخارجية في قاعة العالم في وزارة الخارجية الألمانية في بون لإجراء الجولة الأولى من المفاوضات. وشارك في الاجتماع، إلى جانب المضيف هانس- ديتريش غنشر ووزير الخارجية في أول حكومة لجمهورية ألمانيا الديمقراطية انبثقت عن انتخابات حرة ماركوس ميكّل كل من: جيمس بيكر عن الولايات المتحدة الأمريكية وإدوارد شيفارنادزه عن الاتحاد السوفييتي ودوغلاس هيرد عن بريطانيا ورولاند دوما عن فرنسا.

جاءت الجولة معبرة عن التصورات الألمانية. ولم يقتصر هذا على اختيار التسمية "اثنان زائد أربعة" وليس العكس فحسب، بل إن الدائرة المصغرة أيضاً كانت في مصلحة ألمانيا. فبهذه الطريقة أصبح واضحاً أن الأمر لا يتعلق بالتفاوض على اتفاقية سلام. إذ لو كان الأمر كذلك لتوجب اشتراك جميع تلك الدول الأربعين التي كانت عند استسلام ألمانيا دون قيد أو شرط في حالة حرب معها. تبع اللقاء الأول ثلاثة لقاءات أخرى في 22 يونيو/ حزيران في برلين- نيدرشونهاوزن الواقعة في الجزء الشرقي من المدينة، وفي 17 يوليو/ تموز في باريس، وأخيراً في 12 سبتمبر/ أيلول 1990 في موسكو.

إلا أن الأمور لا تسير دوماً بصورة منسجمة و الوزراء الستة لم يكونوا دوماً وحدهم. وهكذا قدم وزير الخارجية السوفييتي في برلين بصورة غير متوقعة مشروع اتفاقية. حسب هذا المشروع كانت ألمانيا لن تحصل على السيادة الكاملة تجاه الخارج إلا بعد أعوام من تحقيق وحدتها الداخلية -وهي فكرة رفضها أيضاً وزير الخارجية الألماني دون تردد. إلا أن هذا الخلاف لم يؤثر بتاتاً على العلاقة الجيدة بين الإثنين.

كان لقاء باريس اللقاء الوحيد الذي شارك فيه طرف سابع هو وزير الخارجية البولوني كريستوف سكوبيتسفسكي. وذلك لسبب وجيه لأن تاريخ بولونيا منذ القرن الثامن عشر كان تاريخ احتلالها وتقسيمها وتغيير حدودها على يد قوى غريبة. وكانت على الدوام تقريباً تشترك في ذلك بروسيا أو الرايخ الالماني. وكان البرلمان الاتحادي الألماني ومجلس الشعب في جمهورية ألمانيا الديمقراطية قد أصدرا في 21 يونيو/حزيران 1990 بياناً بنفس النص أكدا فيه "عدم المساس بالحدود" الألمانية البولونية "الآن ولا في المستقبل". وبناء على وعد الحكومة الألمانية بأن ألمانيا الموحدة ستؤكد اعترافها بالحدود على امتداد نهري أودر ونايسه بموجب اتفاقية دولية مع بولونيا أصبح الطريق مفتوحاً أمام قبول بولونيا بوحدة ألمانيا.

كانت عملية "اثنين زائد أربعة" بالمعنى الضيق منذ البداية جزءاً من ماراتون من المفاوضات الأكثر شمولاً. كان الأمر يتعلق في المقام الأول بمسألة انتماء ألمانيا الموحدة إلى تلك المنظمات الدولية التي كانت تنتمي إليها جمهورية ألمانيا الاتحادية. فيما يتعلق بالانتماء إلى منظمة الأمم المتحدة، التي كانت كلا الدولتين الألمانيتين عضواً فيها منذ عام 1973، لم تكن هناك مشكلة.

كانت هناك صعوبة في انضمام جمهورية ألمانيا الديمقراطية كجزء من ألمانيا الموحدة إلى المجموعة الأوروبية. وكان جاك دولور، رئيس المفوضية الأوروبية، هو الذي هيأ الطريق في نهاية المطاف لهذا الانضمام دون تغيير اتفاقيات المجموعة. وبالمناسبة ساهم توحيد ألمانيا في تسريع تحقيق الوحدة الاقتصادية والنقدية الأوروبية التي أقرت في يونيو/حزيران 1989 ومعها في التخلي عن العملات الوطنية ومن ضمنها المارك الألماني: فإعادة توحيد ألمانيا وتطوير الوحدة الأوروبية وجهان لعملة واحدة.

أما العائق الأكبر فكان عضوية ألمانيا الموحدة في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، التي كان المستشار هلموت كول والرئيس الأمريكي جورج بوش قد اتفقا عليها في العاشر من فبراير/شباط 1990 في كامب ديفيد. صحيح أن غورباتشوف كان قد أوحى في العاشر من فبراير/شباط 1990 للمستشار كول ولوزير الخارجية غنشر بموافقته من الناحية المبدئية على توحيد ألمانيا. أما عضوية ألمانيا الموحدة في حلف شمال الأطلسي فقد أعلن في مارس/آذار أنها "غير مقبولة إطلاقاً". وفي 15 و16 يوليو/تموز سافر هلموت كول وهانس-ديتريش غنشر مجدداً إلى موسكو ومن هناك إلى موطن غورباتشوف في القوقاز. وأن يكونا قد حصلا على موافقته على عضوية ألمانيا الموحدة في حلف شمال الأطلسي فهذا يعود بالدرجة الأولى إلى استعداد بون لتقديم الدعم الاقتصادي والمالي للاتحاد السوفييتي المضعضع. وبذلك أصبح الطريق مفتوحاً بصورة نهائية. في 12 سبتمبر/أيلول 1990 وقع وزراء الخارجية الستة في موسكو "اتفاقية التسوية النهائية بخصوص ألمانيا" وجعلوا التسوية تجاه الخارج تأتي بعد تحقيق الوحدة الداخلية: في 18 مايو/أيار وقعت الدولتان الألمانيتان الاتفاقية الأولى حول الوحدة النقدية والاقتصادية والاجتماعية، وفي 31 أغسطس/أب الاتفاقية الثانية حول توحيد ألمانيا.

إن الاتفاقية المسماة اثنان زائد أربعة ليست اتفاقية سلام ولكنها تتولى وظيفة اتفاقية السلام. فهي تشمل "أراضي جمهورية ألمانيا الاتحادية وجمهورية ألمانيا الديمقراطية وبرلين بكاملها". بهذه الاتفاقية "تنهي" القوى الأربع "حقوقها ومسؤولياتها بخصوص برلين وألمانيا" -على شرط أن تصدق الاتفاقية من جميع الدول التي وقعتها بما في ذلك الاتحاد السوفييتي. ولكن هذا ليس مضموناً بأي حال لأن الكيان السوفييتي الضخم كان يمر آنئذ في مرحلة التفكك الداخلي. في 12 يونيو/حزيران 1990 أعلنت روسيا أيضاً أنها دولة مستقلة ذات سيادة ودقت بذلك جرس نهاية الاتحاد السوفييتي. علماً بأنه كان يتعين على مجلس السوفييت الأعلى تصديق ليس فقط اتفاقية "اثنين زائد أربعة" وإنما أيضاً الاتفاقيات الألمانية السوفييتية حول حسن الجوار والشراكة والتعاون وحول انسحاب القوات السوفييتية من ألمانيا. وعندما حدث هذا في الرابع من مارس/آذار، وفيما يتعلق بانسحاب القوات السوفييتية في الثاني من أبريل/نيسان، كان الارتياح كبيراً. في 15 مارس/آذار 1991 تم إيداع وثيقة تصديق اتفاقية "اثنين زائد أربعة" في بون وبذلك اكتملت نهائياً الشروط الخارجية لتوحيد ألمانيا.

لأول مرة منذ 1945 أصبح هناك الآن دولة ألمانية كاملة السيادة تجاه الداخل والخارج وترتب على ذلك مسؤولية كبيرة لم تكن معروفة من قبل. وهذا ما تعهد به وزير الخارجية الألماني هانس-ديتريش غنشر، قبل أسبوع واحد من الاحتفال الرسمي بالوحدة في الثالث من أكتوبر/تشرين الأول، في كلمة له أمام الجمعية العمومية للأمم المتحدة عندما قال: "إن ألمانيا الموحدة أيضاً ستساهم في تحقيق السلام والحرية في أوروبا والعالم".

غريغور شولّغن

مؤرخ وأستاذ التاريخ الحديث في جامعة إرلانغن-نورنبرغ