المقرر الخاص للأمم المتحدة هاينر بيليفيلت في حوار مع DE

المقرر الخاص للأمم المتحدة يتحدث عن النظرية والتطبيق في مجال حقوق الإنسان.

UN-Photo/Paulo Filgueiras

السيد البروفيسور بيليفيلت، ما أهمية فكرة حقوق الإنسان لمفهوم جمهورية ألمانيا الاتحادية؟

تبدأ المادة الأولى من الدستور الألماني بعبارة "لا يجوز المساس بكرامة الإنسان". تعبر هذه المادة عن بداية جديدة تماما، ليس فقط بالمقارنة مع الحكومات الاجتماعية القومية (النازية)، وإنما أيضا بالمقارنة مع دستور فايمار. فالمسألة هي التأكيد في المادة الأولى من الدستور، على ضرورة أن تعمل السياسة تحت سقف مستويات حقوق الإنسان التي يمكن أيضا أن يتم فرضها بالقانون. تشكل حقوق الإنسان الجوهر الذي يقوم عليه الدستور، وهي التي تطبع هوية ونظام هذا الدستور بطابعها.

 

شرعة حقوق الإنسان التي أعلنتها الأمم المتحدة في العام 1948، هي أقدم من الدستور الألماني ببضعة أشهر فقط. كيف تطورت فكرة حقوق الإنسان منذ ذلك الوقت حتى الآن؟

 

أيضا حقوق الإنسان تتطور وتتغير. إلا أنها تتضمن أيضا عناصر الاستمرارية. قبل كل شيء تأتي كرامة الإنسان، التي تعتبر المبدأ الأساسي الذي يقوم عليه كل شيء. بالإضافة إلى ذلك يوجد بعض المبادئ الأخرى التي تتضافر معا لتشكل حقوق الإنسان، مثل الحرية والمساواة والتكافل. وتتجلى التغيرات فقط على مستوى المضمون وعلى مستوى المؤسسات. فمن حيث المضمون تم تبني مبادئ وأفكار جديدة، مثل مبدأ حماية سرية المعلومات، الذي لم يكن أحد يفكر به قبل 60 عاما. ومن حقوق الإنسان الجديدة أيضا حقوق المعوقين وذوي الاحتياجات الخاصة التي تعتبر عنصرا أساسيا من عناصر عدم التمييز العنصري، وكذلك حقوق الاعتراف بالرغبة والميول الجنسية. مع أن هذه الحقوق الأخيرة لم تتمكن حتى الآن من فرض نفسها على المستوى الدولي، رغم دخولها أروقة الحوار في منظمة الأمم المتحدة. تشكل حقوق الإنسان مشروعا تعليميا وفي ذات الوقت مشروعا لبناء المؤسسات. وهكذا تطور خلال السنوات الأخيرة ما يشبه التركيز على مسألة الوقاية والحماية.

 

ما هي الخبرات التي تمت حتى الآن على صعيد الوقاية؟

 

لقد أثبت العمل الوقائي نجاحه لأنه لم يتجاوب فقط مع الشكاوى والأزمات، وإنما أيضا مع مكامن الخطر والخطأ البنيوية: لجان مستقلة تزور السجون والمصحات العقلية والنفسية، ومؤخرا أيضا دور المسنين. يشكل هذا نشاطا متعلقا بالبنية، ويقود إلى الاطلاع على البنية وتطويرها ويدعم التطبيقات العملية بشكل إيجابي.

 

كثيرا ما توضع الصلاحية العالمية المطلقة لحقوق الإنسان موضع تساؤل وتشكيك، حيث يراها البعض على أنها مسألة "من نتاج الغرب". ماذا تقول في مواجهة هذه التهمة؟

 

 من المفاجئ أنني أواجه هذه الفكرة بشكل أقل مما كنت أتوقع. فعلى صعيد الحوار الأكاديمي يتم تداول هذه الفكرة بشكل أكبر مما هي عليه الحال على مستوى الدبلوماسية الدولية. حقوق الإنسان ليست منتجا من منتجات العالم الغربي، وإنما نتيجة لمشروع تعليمي طويل معقد حافل بالمشاكل والأزمات، شاركت فيه أيضا مختلف الدول والأقاليم والمناطق بتعقيداتها وتناقضاتها. بالتأكيد لم يتم هذا المشروع التعليمي في مختلف مناطق العالم في آن واحد، إلا المؤكد أيضا أنه ليس من بدع العالم الغربي وحده. وفي الختام فإن حقوق الإنسان هي في الواقع الجواب على مشروعات الأقطاب المتعددة التي تمكن ملاحظتها في العالم اليوم.

 

في الغرب أيضا كان من الضروري الصراع من أجل حقوق الإنسان. هل لديكم الأمل في أن تحظى فكرة حقوق الإنسان يوما ما بذات القدر من الاعتراف في شتى أنحاء العالم؟

 

هذا الاعتراف موجود بالفعل، وعلى المستوى العالمي. ولكن لا يجوز أن يكون المرء بسيطا إلى هذه الدرجة. فهذا الاعتراف يكون في الكثير من الأحيان اعترافا شفويا فقط. خطابة حقوق الإنسان مزدوجة المفهوم في بعض الأحيان. والمهم هو التعامل الصحيح مع هذا المفهوم المزدوج، وتحفيز البلدان على الالتزام بشرعة حقوق الإنسان وحمايتها، ثم مقارنة وقياس هذا الالتزام الفعلي من خلال معتقدات ومبادئ هذه البلدان بالذات وما قطعته على نفسها من التزامات. لهذا السبب لا بد من بناء مؤسسات مراقبة ومجالس دورية يتم من خلالها التباحث والتقييم باستمرار. نحن الآن في خضم بناء هذا المشروع.

 

ما هي الوسيلة الأقوى والأكثر فعالية لحماية حقوق الإنسان؟

 

لست متأكدا فيما إذا كان مثل هذا التصنيف مجديا بالفعل. عندما لا تبدي الدول استعدادا للتعاون، فإننا أمام حدود للفعالية تكاد تكون أحيانا في غاية العنف. حينها لا يمكن فعل أي شيء. إنها الحقيقة المرة التي يجب أن نواجهها أولا. الأمر يتعلق أساسا في وصول الآليات إلى أقصى حدود فعاليتها. المهم هو التعاون على مختلف المستويات. وبدون مشاركة المجتمع المدني، يمكن أن تذهب كل الجهود هباء، وبدون إلزام قانوني وقضائي، تبقى حماية حقوق الإنسان مجرد مبادئ نظرية جميلة، وبدون النشر والتوعية والإعلام لا يمكن فعل أي شيء. نحن بحاجة إلى خلاصة كل هذه الأدوات والمؤسسات الرسمية والرمزية.

 

دارت حديثا حوارات بدا أنها مواجهة بين حرية الأديان وحرية الرأي. كيف ترى العلاقة بين هاذين الحقين؟

 

إنها علاقة تضافر جهود بشكل كبير. رغم أنها لا تخلو بالتأكيد من مخاطر بعض الخلافات. إلا أنه من الخطأ ومن الخطر أيضا افتراض الخصومة والتناقض من حيث المبدأ. غالبا ما تتعرض حرية المعتقد الديني إلى إساءة الفهم. يشير العنوان إلى أن المسألة هي مسألة قيم وممارسات دينية. إلا أن الحماية ليست للحقائق والتقاليد الدينية، وإنما هي حماية الأفراد في ممارسة حريتهم. موضوع الحرية الدينية شأنه شأن كل حقوق الإنسان الأخرى، هو الإنسان بذاته. الإنسان بصفته كائن معقد، لديه معتقداته الدينية والدنيوية، وممارسته المتعلقة بها وبميزان القيم الخاص به. إذ أنه لا يمكن أن تكون من مهمات الدولة حماية ممارسات دينية محددة أو حتى العمل على نشر احترام وتكريم وصيانة الديانات المختلفة، وإنما حماية كرامة الإنسان وحريته وتطبيق قواعد العدالة والمساواة بين الناس. في الواقع تظهر الديانات ومضمونها وممارستها وطقوسها إلى العلن من خلال الناس أنفسهم.

 

ما هي سياسة حقوق الإنسان التي تقدرها بشكل خاص؟

 

أتأثر بشكل خاص بالناس الذين يكافحون بلا كلل أو ملل والذين يساعدون الآخرين في ظل أقسى الظروف مخاطرين بأنفسهم في سبيل الآخرين. إنه من الجوانب الرائعة في عملي أن أقابل دائما مثل هؤلاء الأشخاص. هذا يدفعني إلى التفاؤل، بأنه من الممكن حقا تحقيق التقدم على صعيد حقوق الإنسان.

 

أجرت الحوار: جانيت شايان

 

البروفيسور د. هاينر بيليفيلت

 

المقرر الخاص لمنظمة الأمم المتحدة لشؤون الحرية الدينية والدنيوية، أستاذ ذو كرسي في أمور حقوق الإنسان وسياسة حقوق الإنسان في جامعة إرلانغن-نورنبيرغ. متخصص في اللاهوت والفلسفة والتاريخ، وهو من مواليد العام 1958، كما أنه خبير في نظريات وتطبيقات حقوق الإنسان وفي تاريخ الفكر السياسي وفلسفة التعدد الثقافي.