ألمانيا... بلدُ المُؤسِّسين
المزيد من الشركات الناشئة، والمزيد من رأس المال، والمزيد من الذكاء الاصطناعيّ: يكتسب مشهد الشركات الناشئة في ألمانيا زخمًا وجاذبيةً متزايدة، حتى بالنسبة للأشخاص من بلدانٍ أخرى.
أجواءٌ احتفاليةٌ في برلين: في نهاية مايو/أيار 2026، احتفلت رابطةُ الشركات الناشئة الألمانية بتوزيع جوائز الشركات الناشئة الألمانية. حظيت بالتكريم أفضلُ الشركات الجديدة الواعدة ذات القدر العالي للغاية من الابتكار، ومن بينها تطبيقاتُ الذكاء الاصطناعيّ، وشركاتُ الرعاية الصحية الناشئة، ومنصاتُ الصوتيات، وصناديقُ رأس المال الاستثماري الملتزمة على نحوٍ خاص. وقالت فيرينا باوزدر، رئيسةُ رابطة الشركات الناشئة: "يرادف النظامُ البيئيُّ للشركات الناشئة في ألمانيا التميُّزَ العلميَّ، والالتزامَ الاجتماعيَّ، والرؤيةَ الريادية: ألمانيا تعرف كيف تؤسس".
كم يبلغ عددُ الشركات الناشئة في ألمانيا؟
لقد شهدت السنوات والأشهر الأخيرة تطوُّرًا ملحوظًا في واقع الأمر: ففي عام 2025، تأسست 3568 شركةً ناشئةً في ألمانيا، بزيادةٍ قدرها 29 في المائة عن العام السابق. وتكتسب هذه الشركات طابعًا عالميًا بوتيرةٍ مستمر: ينتمي خُمسُ المُؤسِّسين إلى خلفياتٍ مهاجرة.
"تُعدّ ألمانيا من بين المواقع القليلة في العالم، التي تمزج مزجًا وثيقًا بين البحث العلمي المتميز، وخلق القيمة الصناعية، والوصول إلى الأسواق العالمية. وهذا يعني بالنسبة للمُؤسِّسين الدوليين، أنه بإمكانهم ليس فقط الابتكار هنا، بل أيضًا تطوير تقنياتهم وإدراجها في تطبيقاتٍ صناعية"، كما تقول يوليا براونه، المديرةُ العامة لوكالة التجارة والاستثمار الألمانية (GTAI).
هل أصبح تأسيسُ شركةٍ في ألمانيا أسهل؟
لقد أصبحت عمليةُ تأسيس الشركات في ألمانيا أبسط في المجمل، حتى بالنسبة لمواطني الاتحاد الأوروبي أو البلدان التي لا تقع تحت مظلته: يحتاج أيُّ شخصٍ يرغب في بدء مشروعٍ تجاريّ إلى تصريح إقامة للعمل الحر، وخطة عمل قابلة للتطبيق، والتمويل المناسب. كما يجب استكمال بعض الإجراءات الرسمية، مثل التأمين الصحي، والتراخيص المهنية، والتسجيلات التجارية والضريبية الرسمية، بالإضافة إلى الإدراج في السجل التجاري؛ غير أن الحد من التعقيدات البيروقراطية يجري على قدمٍ وساق: يُتوقَّع على المدى المتوسط أن يصبح تأسيسُ شركةٍ ممكنًا في غضون 24 ساعة.
"ابدأ في ألمانيا"
أطلقت وكالة التجارة والاستثمار الألمانية خدمة "ابدأ في ألمانيا" الخاصة. تُقدِّم الوكالةُ من خلال هذه الخدمة عرضًا دوليًا: نقطة وصول مركزية إلى منظومة بيئية متكاملة من المواهب والمستثمرين وشركاء الصناعة.
ما مدى تنوُّع مشهد الشركات الناشئة في ألمانيا؟
تزخر ألمانيا بالعديد من الشركات الناشئة الواعدة: في مُجمَّع جيندورف الكيميائي في بافاريا، على سبيل المثال، تستخلص شركةُ توزيرو الناشئة، ومقرُّها ميونيخ، الليثيوم عالي النقاء والجرافيت وسبائك النيكل والكوبالت من البطاريات المستعملة. كما تنتج شركةُ كافينيا حديثةُ العهد وقودَ الطائرات المتجدد هناك. وفي آخن، تعمل شركة بلاك سيمي كونداكتور الناشئة حاليًا على بناء مصنعها الخاص للرقائق الإلكترونية. وشهد قطاعا الأغذية والصحة أيضًا زيادةً في عدد الشركات الجديدة في عام 2025، ما يُعدّ دليلاً على تنوُّع بيئة الشركات الناشئة الألمانية. وحتى في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة الراهنة، تُضفي الشركاتُ الشابةُ والمُبتكِرةُ زخمًا جديدًا، حاملةً معها إمكاناتٍ هائلة.
هل يُعتبر الذكاءُ الاصطناعيُّ المُحرِّكَ الرئيسَ للشركات الجديدة؟
تستخدم 27 في المائة من الشركات الناشئة حديثة التأسيس الذكاءَ الاصطناعيَّ في نماذج أعمالها، بدءًا من التطبيقات الرقمية ومرورًا بالابتكارات الطبية ووصولاً إلى الحلول الصناعية. وقد ارتفع عددُ الشركات الناشئة النشطة في مجال الذكاء الاصطناعيّ إلى 935 شركة، بنسبة نمو بلغت 36 في المائة مقارنةً بالعام السابق. ويري مراقبون أن هذه الزيادة تُؤكد نضجَ سوق الكفاءة الألمانية في مجال الذكاء الاصطناعيّ.
تُبرهن شركاتٌ، مثلُ شركة الفضاء الناشئة أتموس سبيس كارجو (أنظمة نقل وإعادة دخول قابلة لإعادة الاستخدام للمدار)، أو منصة الذكاء الاصطناعي ديبسيت (Deepset)، أو شركة كوانتوم سيستمز (Quantum Systems) المُصنِّعة للطائرات المُسيَّرة، على أن العديدَ من الشركات الناشئة تتحوَّل إلى نجاحاتٍ طويلة الأمد.
ثمة نقطةٌ مُؤكَّدة: لقد أصبح قطاعُ الأمن والدفاع المُحرِّك الاقتصاديّ. وليست شركتا كوانتوم سيستمز وهلسينغ، أحاديتا القرن، هما من ترسمان ملامحَ هذا القطاع وحدهما، بل ازداد كذلك عددُ الشركات، التي تمتلك تقنياتٍ مزدوجة الاستخدامات: إذ تعمل حاليًا أكثرُ من 400 شركة ناشئة على تطوير ابتكاراتٍ للاستخدام المدنيّ والعسكريّ على حدٍ سواء. وتتسيَّد ألمانيا القارةَ الأوروبيةَ في تمويل مثل هذه الشركات الناشئة، متقدمةً على المملكة المتحدة وفرنسا.
كيف تُدعَم الشركاتُ الناشئةُ في ألمانيا وتُموَّل؟
في المراحل المبكرة، لا يجد المُؤسِّسون صعوبةً تُذكَر في العثور على مستثمرين من ألمانيا وأوروبا. في عام 2025، تلَّقت الشركاتُ الناشئةُ في ألمانيا 8.4 مليار يورو من رأس المال المُخاطِر، بزيادةٍ تقترب من 19 في المائة عن عام 2024. ومن الأمثلة الحديثة على ذلك: جمعت شركة نويرا روبوتكس الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعيّ نحو 1.4 مليار دولار أمريكي كتمويل جديد في يونيو/حزيران 2026.
Dieses YouTube-Video kann in einem neuen Tab abgespielt werden
YouTube öffnenمحتوى ثالث
نحن نستخدم YouTube، من أجل تضمين محتويات ربماتحتوي على بيانات عن نشاطاتك. يرجى التحقق من المحتويات وقبول الخدمة من أجل عرض هذا المحتوى.
فتح تصريح الموافقةمع ذلك، تستمر العديدُ من الشركات الناشئة في نقل مقارها إلى الخارج خلال مراحل النمو اللاحقة، وتحديدًا إلى الولايات المتحدة الأمريكية؛ حيث يسهل هناك الوصولُ إلى المستثمرين بوتيرةٍ أسرع وبطريقةٍ أبسط. تقول يوليا براونه من وكالة التجارة والاستثمار الألمانية: "الأمرُ الحاسم للقدرة التنافسية الدولية اليوم ليس هو التأسيس فحسب، وإنما التوسُّع. ولهذا السبب، تُركِّز الحكومةُ الألمانيةُ بشكلٍ خاص على حشد المزيد من رؤوس الأموال الخاصة لمراحل النمو، وإشراك المستثمرين المؤسسيين بشكلٍ أوثق. “هدفُنا واضح: يجب ألا تقتصر ألمانيا على كونها مركزًا قويًا للشركات الناشئة فحسب، بل يجب أن تكون وجهةً رائدةً للتوسُّع في أوروبا، مع إمكانية الوصول إلى جولات تمويل ضخمة ورأس مال نمو طويل الأجل".
تشمل أدواتُ تحقيق ذلك السوقَ الأوروبيةَ المُوحَّدة واتحادَ أسواق رأس المال الأوروبية. ويتألَّف صندوق ألمانيا، وهو صندوقٌ استثماريٌّ من الحكومة الاتحادية وبنك الائتمان لإعادة الإعمار (KfW)، من نحو 30 مليار يورو من الأموال العامة، ويهدف إلى تحفيز استثماراتٍ بقيمة 130 مليار يورو. كما صُممت مبادرة WIN (التمويل العام والخاص لرأس مال النمو والابتكار) لتسهيل تمويل المراحل اللاحقة، بميزانية قدرها 30 مليار يورو بحلول عام 2030.