موجات ضحك ذات أثر تعليمي

سلسلتان من مقاطع فيديو توضحان للاجئين كيف يستطيع المرء أن يخطو خطواته الأولى في ألمانيا بسرعة وإلى مدى يمكن أن تكون الفوارق بين الألمان والسوريين مضحكة.

Peter Jelinek

كثيرا ما قادت آلات بيع بطاقات القطار مستخدمها إلى حالة من اليأس والتعصيب. هل بطاقة "كافة المناطق" صالحة أيضا لمنطقة التعرفة 5؟ كم محطة يمكنني عبورها ببطاقة المسافة القصيرة؟ ثم: هل أن شراء مجموعة أربع بطاقات مجدية بالنسبة لي فعلا؟  من يركب وسائل النقل الداخلي العامة في مدينة ألمانية أخرى فإنه غالبا ما يصل سريعا إلى العجز عن فهم أنظمة أسعار بطاقات هذه الوسائل. ومن لا يعيش في ألمانيا فإن الصعوبة ستكون مضاعفة بالنسبة له. وهكذا يقف ضياء عبد الله على رصيف محطة القطار ويسأل الناس. ضياء من سورية، وهو يمثل حاليا دور الجاهل. المشهد هو جزء من سلسلة يوتيوب "دعنا نتعلم!" لرودي المحمود. صانع الأفلام السوري يسعى من خلال أفلامه إلى تسهيل الطريق أمام اللاجئين في ألمانيا.

تناول المحمود المشهد أمام آلة بيع البطاقات لأنه يجسد حالة تقليدية تضع اللاجئ منذ البداية أمام مشكلة حقيقية. وهو يجعل شخصيته الرئيسية تمر بالكثير من مثل هذه الحالة اليومية: كيف أستطيع التسجيل في صندوق التأمين الصحي؟ كيف أستطيع العثور على شقة سكنية؟ كيف أفتح حسابا في البنك؟ هذه هي التساؤلات التي يواجهها ضياء. مع أفلامه لا يكتفي المحمود بمساعدة مشاهديه على تعلم المزيد من الكلمات وشرح بعض القواعد الألمانية بشكل أفضل. "أريد أيضا مساعدة الناس على فهم الثقافة بشكل أفضل، وأن أشرح لهم كيف يفكر الألمان"، يقول المحمود الذي يعيش في كولونيا. "وهكذا تكون إقامة العلاقات أسهل".

عشرات آلاف المشاهدين

حيث أن إقامة العلاقات كانت من أصعب المهمات في البداية، حسب ابن الثلاثين عاما. لهذا السبب سرعان ما بدأ بتعلم الألمانية في المدرسة الشعبية العليا (VHS) وبالمساعدة في تقديم المشورة المتعلقة باللغة في المدرسة. مع "هيا نتعلم!" يسعى أيضا إلى مساعدة الآخرين على الوصول إلى المستوى اللغوي B1 وB2. وهؤلاء كثيرون جدا: قناة يوتيوب الخاصة بضياء التي يساعد من خلالها اللاجئين تحظى كل حلقة منها بآلاف المشاهدين.

مزيد من النجاح يظهر في مقاطع الفيديو التي يقدمها السوريان عبد عباسي، وعمره 22 سنة، وعلاء فَحّام، وعمره 20 سنة، علما بأنها مصنوعة بأسلوب مختلف. على يوتيوب أسلوب الحياة الألمانية GLS يسعى الاثنان من خلال سكتشات ومقاطع عن شخصيات سورية وألمانية تقليدية إلى تحقيق مزيد من فهم أفضل للآخر، وذلك مع الكثير من الفكاهة. "عندما يخاف الناس من المجهول يجب علينا إيجاد الطريق التي تساعد على تجاوز هذا الخوف، من أجل إتاحة الفرصة للتواصل والتبادل، على الإطلاق". يقول عبد عباسي. "الفكاهة تعتبر هنا وسيلة بسيطة سهلة وفعالة جدا".

موضوعات مقاطع الفيديو يجدونها في حياتهم اليومية. غالبا ما ينشأ الغريب والطريف في أفلامهم من خلال الفوارق الثقافية بين الألمان والسوريين. سواء في التحرش أو عند التحية أو على سبيل المثال عند دفع الحساب في المطعم. "من الطبيعي في سورية أن يدفع حساب الطاولة شخص واحد، بل إن الناس يختلفون أحيانا في سباقهم على من سيقوم بالدفع"، يقول علاء فَحّام. "في ألمانيا يتم الحساب بالتفصيل لكل شخص منفردا". وقد قام الاثنان بتصوير مقطع فيديو فكاهي يُظهِر إلى أي حد يمكن أن يبدو هذا الأمر مستهجنا. إلا أنهم أحيانا يقدمون أفكارا تدعو للتفكير والتأمل، كما في فيديو يتوجه فيه فَحّام بالحديث إلى ألمان يخافون من اللاجئين على سبيل المثال.

يبدو أن طريقة التقديم والعرض تحظى بالإقبال. "كثيرا ما نسمع أن الناس تعجبهم فكرة وطريقة إلقاء الضوء على كلا الثقافتين"، يقول عباسي. وبما أن مقاطع الفيديو تراعي دوما كلا اللغتين، فإنها تصل إلى الألمان والسوريين على السواء. وقد بات لدى عباسي وفَحّام اليوم ما يزيد عن 100000 متابع على فيس بوك، وهما يحصدان باستمرار تعليقات إيجابية: "أنتما وسيطان بين الثقافات، أنتما توحدان ما يقوم آخرون بتجزئته. لكما كل التقدير".

لا يقتصر نشاط نجمي يوتيوب على الشبكة فقط. فهما ينشطان أيضا في عدة مشروعات، مثل "عودة حياة البيت". في المدارس الألمانية يتحدثان عن قصتهما الشخصية: كيف كانت الحياة في سورية قبل اندلاع الحرب الأهلية، وخلالها، وكيف هي حياتهما اليوم في ألمانيا. بهذا يصلان إلى جيل الشباب بشكل خاص وينقلان إليه رسالتهما: التواصل مع الآخر، التخلص من الأحكام المسبقة، التعايش السلمي مع الآخرين. وقد منح عباسي وفَحّام في عام 2015 ميدالية الاندماج للحكومة الألمانية الاتحادية، تكريما واعترافا بجهودهما من أجل الاندماج.

الصبر مطلوب من كلا الجانبين

رغم النجاح الكبير، فإن أكثر ما يتمناه الشابان هو ألا تكون هناك ضرورة لصناعة وتصوير أفلام جديدة. "بالتأكيد سيكون من الرائع أن نتمكن قريبا من القول: لقد انتهينا، وأفلام الفيديو لم تعد ضرورية"، يقول علاء فَحّام. "إلا أنني أعتقد أننا نحتاج إلى الصبر من كلا الجانبين". وهكذا يستمران في نشاطهما، ويجولان في ألمانيا مع برنامجهم المسرحي الخاص.

على الصعيد المهني يتطلع الشابان في المستقبل إلى السير في طريقين مختلفتين. عبد عباسي يريد أن يصبح طبيب أسنان، وهو يدرس حاليا في غوتينغن. في المقابل، فإن طالب التقنيات الإعلامية فَحّام يأمل أن يحترف صناعة الأفلام، تماما مثل رودي المحمود، الذي يتطلع من خلال مقاطع الفيديو التي يقدمها إلى أن يخطو خطوات باتجاه هدفه الشخصي: تأهيل مهني أو فرصة عمل في مجال صناعة الأفلام. تصوير، مونتاج، تسجيل صوتي، سيناريو، كل هذا يقوم به رودي المحمود الآن وحيدا. "مع هذه السلسلة يمكنني أن أثبت أنني قادر على هذا". وقد حصل بالفعل على المهمة الأولى: حيث صور فيلما إعلانيا لصالح المدرسة الشعبية العليا VHS.