الديمقراطية في ألمانيا

القانون الأساسي هو جوهر الديمقراطية في جمهورية ألمانيا الاتحادية. كان المفترض أن يكون دستورا مؤقتا. ولكن مر على تأسيسه الآن 70 عاما.

Deutscher Bundestag
Deutscher Bundestag/Marc-Steffen Unger

لم يكن المطلوب أن تتحول العاصمة بون إلى شبيهة لمدينة فايمار، ولكن كان المفترض أن تتحول العاصمة الجديدة القديمة برلين إلى ما كانت عليه بون. ما يبدو حزورة في تاريخ المدن ليس سوى جزءا من التاريخ المُتبَدّل والمُتَطوّر للديمقراطية الألمانية الاتحادية، من فشلها إلى عودة انتعاشها وتغيراتها في القرن العشرين. الدستور "القانون الأساسي" الذي تم الإعلان عنه في مدينة بون في 23 أيار/مايو 1949، كان بمثابة المعمودية لجمهورية ألمانيا الاتحادية. كان من المفترض أن يكون الدستور "مؤقت"، حيث أنه بعد فترة قصيرة، وفي تشرين الأول/أكتوبر من ذات العام تأسست الجمهورية الألمانية الثانية، جمهورية ألمانيا الديمقراطية (DDR)، لتكون واحدة من تبعات الحرب العالمية الثانية، وانهيار ديكتاتورية الحكم النازي. كان القانون الأساسي أشبه بدستور مؤقت، ولهذا السبب لم يُطلَق عليه اسم "الدستور"، وكذلك لم تتم المصادقة عليه من قبل الشعب، وإنما من قبل الولايات التي كانت قائمة آنذاك، باستثناء بافاريا. وكان من المفترض أن يبقى ساريا حتى تعود الوحدة والحرية إلى ربوع ألمانيا.

ولكن جاء العام 1990، العام الذي توحد فيه الغرب مع الشرق، مخالفا للتصورات السابقة. القانون الأساسي استمر، وأصبح دستورا لمجمل ألمانيا الموحدة، على الرغم من انتقال الحكومة والبرلمان من بون إلى برلين، وما كان يرتبط بذلك من توقعات وآمال في أن تكون هذه الإنجازات متينة، وأن تبقى الديمقراطية التي حملها المواطنون في أعماقهم أيضا مستمرة في مرحلة ما بعد الوحدة. كان من المفترض أن تبقى برلين، عند المستوى الذي وصلت إليه بون.

على الرغم من أن القانون الأساسي ينطلق في صيغته النافذة من كونه مؤقتا، وهو ما يتضمن تلقائيا التأكيد باستمرار على فقدان الوحدة القومية، فإنه كان منذ البداية أكثر من ذلك. فقد كان خطة لبناء الدولة الغربية، وضمانة لقيادتها نحو الديمقراطية. كان من الضروري أن يختلف القانون الأساسي عن سوابقه من الدساتير، وأن يخلق مؤسسات وآليات حماية، تضمن الحيلولة دون حدوث فشل آخر للجمهورية الحرة، كما حصل مع جمهورية فايمار، التي كانت في الفترة من 1918 حتى 1933 أول ديمقراطية برلمانية تقوم في ألمانيا.

وهكذا فإن المجلس البرلماني، الذي كان أشبه باجتماع أو لجنة دستورية مُؤَلفة من ممثلين عن برلمانات الولايات، حاول استخلاص النتائج من فشل جمهورية فايمار: فقد تجاوز الأخطاء الهيكلية التي انطوى عليها دستور فايمار، وبشكل رئيسي البنية الازدواجية التي تجمع بين البرلمانية والرئاسية. حيث تم تعزيز دور البرلمان والحكومة، والمستشار أو المستشارة، بينما اقتصر دور رئيس الجمهورية الاتحادي على صلاحيات تمثيلية وبروتوكولية. كما تم إبراز دور الأحزاب في مشروع بناء الإرادة السياسية، وفي ذات الوقت كان لابد من إمكانية محاربة وحظر القوى المناهضة للديمقراطية، وفي مقدمتها الأحزاب المعارضة للدستور. لقد كانت تلك الإجراءات ضرورية لتعزيز الديمقراطية وضمان استقرارها، وعدم تقديمها أضحية على مذبح أعداء الديمقراطية، كما كانت الحال والتوقعات في فايمار.

صيانة كرامة الإنسان

وهكذا منعت المحكمة الدستورية الاتحادية أيضا الحزب الذي حاول خلافة الحزب القومي الاجتماعي (النازي)، وبعدها بفترة وجيزة أيضا الحزب الشيوعي. الأمر الذي كان يعكس إجماعا مناهضا للاستبداد والشمولية في الجمهورية الاتحادية الفتية، والتبرؤ من القومية الاجتماعية (النازية) البائدة من جانب، والانعزال والتمايز عن الدولة الألمانية الثانية من جانب آخر. هذه الدولة كانت أيضا في ظل التأثير السوفييتي تعتبر نفسها على أنها النقيض الشيوعي لمواجهة الجمهورية الاتحادية "الانتقامية".

صحيح أن دستور ألمانيا الديمقراطية يلتقي مع دستور فايمار في عدد من نقاطه، إلا أنه سرعان ما كشف عن قناعه من خلال ادعاء حزب الوحدة الاشتراكي (SED) بأحقية القيادة المنفردة، بعد تغلبه وسيطرته على الإرادة السياسية وآليات صنع القرار، والحيلولة دون قيام أية معارضة وتحويل النظام السياسي إلى نظام مركزي. وهكذا تم إلغاء استقلالية الولايات في وقت مبكر، في 1952. ثم توالت تعديلات دستور ألمانيا الديمقراطية، حيث عززت سيطرة وتفرد الحزب الواحد SED والصداقة الأزلية "غير القابلة للكسر" مع الاتحاد السوفييتي.

وقفت الجمهورية الاتحادية وألمانيا الديمقراطية في تناحر وخصومة في مواجهة بعضهما البعض. وكانت كل منهما تشكل رأس الحربة في "صراع الأنظمة"، بين الديمقراطية والرأسمالية هنا، والاشتراكية والشيوعية هناك. في ذات الوقت نجحت كل من ألمانيا الغربية والشرقية في تحقيق الاستقرار، لأنهما كانت على جبهة المواجهة الجيوسياسية في الأزمات بين الشرق والغرب. جمهورية ألمانيا الديمقراطية كانت تحظى بدعم وحماية الاتحاد السوفييتي، بينما كانت جمهورية ألمانيا الاتحادية في كنف الحلفاء الغربيين اقتصاديا وسياسيا. ولكن الدولة الشرقية كانت تابعة للاتحاد السوفييتي في كل ما يتعلق بالسياسات الخارجية. بينما لم يكن هناك أي مجال للمناورة على صعيد السياسة الداخلية.

بالنسبة للجمهورية الاتحادية جلبت سياسة الارتباط بالغرب، التي أسس لها ومارسها المستشار الأول، كونراد آدناور العديد من الفوائد والمزايا: النهوض الاقتصادي والدخول في مشروع الاندماج الأوروبي كان له دور كبير في تعزيز التحول الديمقراطي والليبرالي في الداخل، والذي وصل أوجه، بداية في حركة الاحتجاجات الطلابية في أواخر الستينيات، ثم من خلال حكومة ألمانية اتحادية جديدة بقيادة الحزب الديمقراطي الاجتماعي "الاشتراكي" الألماني (SPD) وبرئاسة المستشار فيلي برانت. هنا ظهر ما يمكن تسميته "استكشاف الذات" لديمقراطية الجمهورية الاتحادية: نزاع وحوار ناقد مع الماضي النازي وحوله، واعتراف وانتماء للمبادئ الأساسية والقيم التي ينص عليها القانون الأساسي "الدستور". 

كان القانون الأساسي ردة الفعل على انهيار دستور فايمار وبروز الديكتاتورية النازية. فإلى جانب التأكيد على نظام الحكم البرلماني، مع منح المستشار دورا أساسيا، لا يمكن الانتقاص منه إلا من خلال الإجراءات الدستورية، عن طريق التصويت على سحب الثقة، ظهرت إلى جانب دستور 1949 فكرة مركزية كُتِبَ لها أن تغير هيكلية المعايير البديهية للديمقراطية الألمانية الغربية: صيانة كرامة الإنسان. "حمايتها واحترامها من واجبات كافة سلطات الدولة"، حسبما ورد في المادة الأولى من القانون الأساسي. وقد كان هذا الشعار تناقضا مقصودا مع الحكم النازي الديكتاتوري الذي يحتقر هذه الحرية والكرامة، كما كان يشكل ابتكارا جديدا في تاريخ الدساتير الحديثة.

لم يسبق إطلاقا أن وردت مثل هذه العبارة بهذه الصراحة في أي من الدساتير. بعدها وردت في عدد من دساتير البلدان، مثل جنوب أفريقيا، بعد انهيار نظام التمييز العنصري. ولكن قبل كل شيء، أعقبت هذه المادة مباشرة القواعد التي تنص على وجوب تطبيق الحقوق الأساسية والالتزام بها، وعدم المساس بها من قبل سلطات الدولة.

هذا الالتزام بالحقوق الأساسية يعتبر الضمانة لحماية القانون، والتزام المُشَرّع بقواعد الدستور. كما شكل أساس قيام الديمقراطية الدستورية التي لا تشكك إطلاقا في أولوية الدستور وما يرتبط به من حقوق أساسية، ينص عليها ويعمل على صيانتها. أيضا تأسيس محكمة دستورية مستقلة أثبت بأنه كان ضربة حظ كبيرة، كان لها تأثيرات مهمة: العدالة الدستورية تمنح القانون الأساسي صوتا وظهورا عمليا وتأثيرا بارزا في الحياة السياسية اليومية، كما تساهم في تطوير تفسير رسمي موثوق. من جانب آخر، كان لابد من تقديم مساعدات تنموية في المجال الديمقراطي.

"الوطنية الدستورية"

كان هذا يسري من عدة وجهات نظر. كانت أحكام وقرارات المحكمة الدستورية الاتحادية في غاية الأهمية، قبل كل شيء من أجل تأسيس وتعزيز الحقوق المهمة لقيام الديمقراطية، من حرية الراي والصحافة والتجمع. مع العلم أن المحكمة كانت تغامر بالعلاقة مع الحكومة الاتحادية، كما كانت الحال مثلا حين حاول المستشار الاتحادي آدناور تأسيس قناة تلفزيونية حكومية. حيث اعتبرت المحكمة أن هذا يتنافى مع مبادئ حرية التعبير والرأي.

وقد أثبتت حرية الرأي مرارا وتكرارا بأنها "بَنّاءة وأساسية" للديمقراطية، إلى درجة الاضطرار لإهمال بعض المصالح الاقتصادية الفردية. وهكذا نشأ "تأثير ثالث" ومفهوم جديد للحقوق الأساسية، يتضمن الالتزام بالحقوق الأساسية حتى في العلاقات بين الأفراد، وليس فقط في العلاقة بين الدولة والأفراد. ونتيجة لذلك اتخذت المحكمة دوما الموقف إلى جانب المواطنين. بفضل إمكانية الشكوى الدستورية الفردية، يُتاح للفرد في ظل ظروف معينة الادعاء أمام المحكمة الدستورية في كارلسروة، أي بعيدا عن مركز القرار السياسي في برلين.
وقد تحولت المحكمة اليوم إلى أشبه بمحام عن المواطن، وهي تستمد قوتها من كونها مترجمة للدستور، وحكما ووسيطا في النزاعات السياسية. وحسبما تشير الاستطلاعات فإنها تحظى بثقة مؤسساتية كبيرة لدى الناس.

لقد ساهمت المحكمة الدستورية بشكل كبير في تحويل القانون الأساسي إلى دستور متكامل ومندمج مع المجتمع. وخاصة لأنها كانت قادرة من خلال قراراتها وأحكامها تهدئة الأوضاع، في فترات الاستقطاب السياسي والحزبي الكبير.

هذا الأمر لم متوقعا في 1949. إلا أن شيئا ما تطور عبر السنين، شيء أطلق عليه عالم السياسة دولف شتيرنبيرغر تسمية "الوطنية الدستورية"، وهي شكل متميز من أشكال الاعتراف والتقدير للقانون الأساسي بصفته أساسا لقيام الدولة. على ما يبدو جمع المواطنون الدستور مع الحقوق الأساسية الأهم والإنجازات الديمقراطية، واعتبروها مهمة إلى درجة أنهم باتوا يشعرون بالانتماء إليها، وبأنها جزء من هويتهم. باختصار: ديمقراطية جمهورية ألمانيا الاتحادية كانت تحظى دوما بدعم وحماية الشعب، التي افتقدها دستور فايمار، وهو ما جعله عاجزا عن مواجهة التدمير الذاتي.

في المقابل تراجعت شرعية ألمانيا الديمقراطية لدى مواطنيها. مع بداية الثمانينيات بدأت الصعوبات الاقتصادية في التفاقم، وكانت البنية التحتية في وضع مزر، وفي ذات الوقت بدأت أصوات الاحتجاج تتعالى، وبشكل أساسي في محيط الكنائس، التي منحت ملاذا وملجأ للناس. ولكن هذا لم يغير شيئا من القمع السياسي للمعارضين، الذين كانوا عرضة للاعتقال أو الطرد.

في السنة الأربعين من عمر ألمانيا الديمقراطية حاول الكثيرون الهروب عبر هنغاريا وبراغ إلى الجمهورية الاتحادية. في ذات الوقت طالب المواطنون بحرية السفر وبالإصلاحات، على غرار ما قام به غورباتشوف في الاتحاد السوفييتي من خلال سياسته الإصلاحية القائمة على غلاسنوست وبريسترويكا. وفي تشرين الأول/أكتوبر 1989 تجمع آلاف الناس رافعين شعار "نحن الشعب"، في مسيرات احتجاجية في درسدن ولايبزيغ وغيرهما من المدن. وفي التاسع من تشرين الثاني/نوفمبر سقط جدار برلين. لقد نجحت الثورة في الشوارع، وفي 18 آذار/مارس 1990 تم تنظيم أول انتخابات ديمقراطية حقيقية، لانتخاب مجلس الشعب في ألمانيا الديمقراطية. بهذا كانت الطريق الحتمية مرسومة، وهي التي قادت إلى عودة الوحدة الألمانية. وكان شهر كانون الأول/ديسمبر الذي سبق قد شهد خلال زيارة المستشار الألماني الغربي هيلموت كول لافتات كتب عليها "نحن شعب واحد".  

مشروع عودة الوحدة

عودة الوحدة بين الدولتين الألمانيتين في الثالث من تشرين الأول/أكتوبر 1990 أعادت طرح بعض التساؤلات من جديد. هل يمكن لديمقراطية بون أيضا الاستمرار والنجاح ضمن إطار قومي جامع؟ مع القرار الصادر في 1992 المتعلق بنقل العاصمة من بون إلى برلين، برزت وتراكمت المخاوف من أن تصبح ألمانيا الموحدة "أكثر شرقية"، وأنها سوف تتحلل من روابطها القوية مع الغرب، لتصبح قوة وسطية في وسط أوروبا، وتتحول إلى "أرجوحة" لسياسة القوة بين الشرق والغرب، على غرار ما كانت توصف به إبان حكم القيصر بسمارك. وفي الختام: ما هو المسار الذي سوف تسلكه الوحدة الألمانية، وكيف تجد خبرات وحاجات الألمان الشرقيين طريقها وفعاليتها؟ 

كثير من المخاوف تلاشت سريعا. بما أن تمهيد الطريق نحو الوحدة لم يكن ممكنا فقط مع الحلفاء الأربعة، وإنما أيضا بالتنسيق والعمل نحو التكامل والاندماج الأوروبي، وأخيرا وليس آخرا مراعاة المخاوف الفرنسية من قوة اقتصادية (نقدية) ألمانية، يمكن استرضاؤها باعتماد اليورو، فقد تناثرت سريعا سيناريوهات الرعب والخوف من عدم موثوقية ألمانيا الجديدة. التبني القسري للوحدة الاقتصادية والنقدية بين ألمانيا الاتحادية وألمانيا الديمقراطية، حتى قبل الوحدة بين الدولتين قاد إلى تسريع مشروع الاتحاد، الذي اكتمل وانتهى باتفاقية الوحدة.

هذه الاتفاقية قادت في الثالث من تشرين الأول/أكتوبر 1990 إلى انضمام الولايات التي أعيد تأسيسها على أراضي ألمانيا الديمقراطية إلى مناطق سيادة القانون الأساسي. وقد ارتبطت بهذا المشروع عملية انتقال سريع للمؤسسات من الغرب إلى الشرق، وتغير جذري في النخبة ومحاولة تحويل الاقتصاد المخطط المتهالك إلى اقتصاد سوق حديث ناجح.

السرعة لها ثمنها أيضا. بما أن العديد من الشركات والمصانع الخارجة من الاقتصاد الاشتراكي المتقادم لم تكن تتمتع بأية جدوى اقتصادية، تحول الكثير من الناس إلى عاطلين عن العمل. "المؤسسة الائتمانية" المسؤولة عن مشروع الانتقال والتحول مازالت حتى اليوم رمزا للتسريحات الجماعية وإلغاء التاريخ والخبرات ومسيرة العمل، على الرغم من النجاح في توفير فرص عمل جديدة خلال الثلاثين سنة الماضية، بحيث باتت معدلات البطالة اليوم تعادل مثيلاتها في غرب ألمانيا. ولكن مجموعة من العوامل البنيوية مازالت حتى اليوم تولد الشعور لدى الكثيرين في شرق ألمانيا، بأنهم "مواطنون من الدرجة الثانية": التغيرات الديمغرافية الكبيرة، حيث انتقل كثيرون من الشرق للحياة في الغرب، الفوارق بين مراكز التجمعات الحضرية والمدن الكبيرة وبين المناطق الريفية المتقادمة التي يهجرها سكانها، مستوى الدخل والرواتب الأقل، أوقات العمل الأطول.

هذا مع العلم بأن نتائج العديد من الاستطلاعات تشير إلى تقييم الأوضاع الشخصية بأنها إيجابية، إلى إيجابية جدا. ولكن في ذات الوقت يقول كثير من الألمان الشرقيين أن أداءهم في السنوات الأخيرة التي يعتبرونها قاسية، والحافلة بالتغيير المستمر، لا يحظى بالاعتراف والتقدير الكافي من قبل الألمان الغربيين. كما تُوَجّه التهمة كثيرا للسياسة والإعلام بأنهما خاضعان لسيطرة الغرب، وهو ما يقود إلى عدم تخصيص الاهتمام الكافي بأوضاع الشرق. من خلال هذا الشعور، وغيره من الاعتقادات، يمكن فهم الموقف الاحتجاجي الملاحظ خلال السنوات الأخيرة في الشرق، والذي ينعكس على السلوك الانتخابي، والميل إلى انتخاب الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة. كثير من الدلائل تشير إلى نزعة التمرد والرغبة في الانتقام من الغرب. 

كل هذا ينعكس حتى في الموقف من الديمقراطية. حيث يتم التصويت لفكرة الديمقراطية بأغلبية كبيرة، في غرب ألمانيا، وفي شرقها ربما بمقدار أقل. إلا أن الشكوك في أن ديمقراطية ألمانيا الاتحادية يمكن أن تنجح بالفعل، هي في الشرق أكبر منها في الغرب.  في هذا المجال كان غرب البلاد وشرقها أقرب إلى بعضهما البعض من الآن. القطبية الاجتماعية الملحوظة والاضطرابات السياسية التي نشهدها في كل مكان في أوروبا وشمال أمريكا تقريبا، يمكن ملاحظتها في شرق ألمانيا بشكل خاص، وذلك لأن التحولات الاجتماعية والسياسية خلال العقود الثلاثة الأخيرة ذهبت بعيدا وكانت سريعة جدا. 

إلا أنه من المطمئن معرفة أن القانون الأساسي بصفته دستورا موحدا للبلاد الموحدة يحظى أيضا في شرق ألمانيا بالكثير من التقدير والاحترام، على الرغم من أن كثيرا من القانونيين والمدافعين عن حقوق المواطنين خلال عهد الثورة السلمية في 1989/1990 كانوا يطالبون بدستور جديد موحد للبلاد، وأن يتم التصديق عليه من خلال استفتاء عام للمواطنين والمواطنات. ولكن الناس في شرق ألمانيا تقبلوا القانون الأساسي خلال 30 عاما من المشاركة والتعايش السياسي، كما فعل الألمان الغربيون في الأعوام من 1949 حتى 1989.

البروفيسور د. هانس فورليندر يُدَرّس النظرية السياسية وتاريخ الفكر في جامعة درسدن التقنية. وهو يدير منذ 2007 مركز أبحاث الدستور والديمقراطية الذي أسسه بنفسه.

© www.deutschland.de

You would like to receive regular information about Germany? Subscribe here: