ماهرة، مثابرة، متجاوبة

هيلغا شميت هي الأمينة العامة الجديدة لمنظمة OSCE. الدبلوماسية الألمانية تتميز بالودية في الكلام والقوة في المبادئ.

هيلغا شميت، الأمينة العامة لمنظمة OSCE
هيلغا شميت، الأمينة العامة لمنظمة OSCE dpa

من المؤكد أن ابنة الستين عاما سوف يكون لها في المستقبل مزيدا من الظهور العلني، كما ستأتي الأخبار على ذكرها بشكل أكثر. حيث أن هيلغا شميت هي الأمينة العامة الجديدة لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا (OSCE)، بعد أن وقع عليها اختيار وزراء ووزيرات الخارجية في 57 بلدا عضوا في منظمة OSCE في بداية شهر كانون الأول/ديسمبر 2020. بهذا تكون السيدة المولودة في مناطق بافاريا والتي بدأت العمل في وزارة الخارجية الألمانية في أواخر الثمانينيات قد وصلت إلى ذروة مسيرتها الدبلوماسية حتى الآن. 

ظهرت منظمة OSCE نتيجة لحال التوتر التي سادت خلال السبعينيات، وهي تضم جميع الدول الأوروبية وتركيا ومنغوليا وجميع البلدان التي تشكلت بعد انهيار الاتحاد السوفييتي السابق، إضافة إلى الولايات المتحدة وكندا. ضمان الأمن والاستقرار والسلام والديمقراطية هي الأهداف الرئيسية للمنظمة. كما أنها تقوم بمهمات مراقبة في النزاعات المسلحة، كما هي الحال في شرق أوكرانيا، حيث المواجهة بين الانفصاليين المدعومين من روسيا والجيش الأوكراني، وكذلك في منطقة ناغورني كاراباخ، حيث كبدت أذربيجان أرمينيا خسائر فادحة أواخر 2020، في أول حرب تخاض فعليا بالطائرات غير المأهولة "درون".

الدبلوماسية الألمانية المنتخبة مبدئيا لمنصب الأمين العام لمدة ثلاث سنوات، سوف تعمل على تطوير بنية المنظمة، كما ستعمل بصفتها نائبة رئيس المنظمة -وهو حاليا رئيس وزراء ألبانيا إيدي راما- على إدارة الحوار الدبلوماسي بين الدول الأعضاء. وسوف تستفيد من الكثير من علاقاتها الواسعة من أجل استكشاف التوترات والأزمات في أوروبا في وقت مبكر، قبل أن تتعزز وتنتشر. 

سوف يكون بانتظار هيلغا شميت مهمات صعبة وفي غاية الأهمية

هايكو ماس، وزير الخارجية الألماني

من وجهة نظر وزير الخارجية الألماني هايكو ماس، فإن السيدة شميت هي الأكثر جدارة واستحقاقا لهذا المنصب، وهي القادرة على جعل منظمة OSCE أكثر قدرة على العمل، خاصة بعد وقوعها في أزمة منتصف العام 2020 على ضوء معارضة بعض الدول الأعضاء الرافضة لإعادة انتخاب القيادة السابقة. وقال ماس أنه "سوف يكون بانتظار الدبلوماسية شميت مهمات صعبة وفي غاية الأهمية". وأضاف أن لديه "ثقة كبيرة بها".

ليس ماس هو الوحيد في وزارة الخارجية الألمانية الذي يحمل هذا الانطباع، فقد شاركه هذا الرأي أول وزير خارجية ألماني من حزب الخضر، يوشكا فيشر (تسلم الوزارة من 1998 حتى 2005)، الذي أطرى علنا على قدرات شميت، وجعلها مديرة لمكتبه آنذاك. قبل ذلك، كانت شميت المتخصصة في الدراسات الرومانية والإنكليزية قد عملت في مكتب الوزير كلاوس كينكل، الذي كان سلفا لفيشر في وزارة الخارجية.

النساء هن المفاوضات الأفضل

هيلغا شميت، الأمينة العامة لمنظمة OSCE

يوشكا فيشر، السياسي البارز في حزب الخضر، الشهير بأسلوبه المتميز في الخطابة، وصف الموظفة شميت في بعض الأحيان بأنها "الضبع المرقط". وكان يقصد بهذا الكثير من الإطراء. حيث أن هذا النوع من الضباع الكبيرة الحجم يتميز بنظام اجتماعي في غاية التعقيد، ويتمتع بمهارات خاصة وبالمثابرة وبأنه صياد ماهر.

أيضا الزملاء والزميلات يقدرون شميت وقدرتها السريعة على استيعاب الأمور والمهمات، وطريقتها الجدية في العمل، ومهارتها في بناء شبكات العلاقات، وقبل كل شيء أيضا موهبتها على كسب ود محاوريها بأسلوبها اللطيف ودماثتها. "النساء هن المفاوضات الأفضل"، تقول شميت.

المشاركة في مباحثات المعاهدة المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني

في القضايا الحساسة تعتبر الدبلوماسية محاورة مقتدرة صعبة المراس، وهو ما ساعد في نجاحها كممثلة للاتحاد الأوروبي في المفاوضات مع إيران حول برنامجها النووي، والتي توصلت إلى الاتفاق في 2015 بعد سنوات من المفاوضات الطويلة. واليوم تسبقها شهرتها في أروقة وزارة الخارجية الألمانية بأنها الأكثر فهما ومعرفة بالتفاصيل المعقدة للمعاهدة النووية مع إيران. وكانت الدبلوماسية الناجحة قد تدارست وتباحثت مع رئيس الفريق الإيراني المفاوض آنذاك، ورئيس الجمهورية فيما بعد، حسن روحاني، في كل كلمة من الاتفاق الواقع في 100 صفحة، خطوة خطوة.

اعترافا وتقديرا لجهودها منحها وزير الخارجية الألماني السابق فرانك-فالتر شتاينماير في تشرين الثاني/نوفمبر 2015 في بروكسل وسام الاستحقاق الألماني. طيلة 12 عاما عملت الدبلوماسية الناجحة في الاتحاد الأوروبي "متسلحة بالآلة الدبلوماسية" وشاركت بشكل فعال في التوصل إلى النتيجة المرجوة، حسبما ورد في كلمات شتاينماير آنذاك، الذي أصبح فيما بعد رئيسا للجمهورية الاتحادية.

بعد انتخاب جو بايدن لرئاسة الولايات المتحدة تأمل بلدان الاتحاد الأوروبي في إنقاذ الاتفاق النووي مع إيران، الذي انسحب منه سلف بايدن، دونالد ترامب، وعمل على إفشاله من خلال فرض عقوبات إضافية محددة.

صحيح أن شميت سوف يكون لديها الكثير لإنجازه بصفتها على رأس منظمة OSCE، إلا أن خبراتها يمكن أن تساعد كثيرا في إعادة الحياة إلى الاتفاق النووي. وعند الضرورة، حسبما يشاع في الأوساط الدبلوماسية، يمكن اللجوء إلى الزميلة الخبيرة بكل تفاصيل الاتفاق وطلب مساعدتها ومشورتها. خاصة وأنها ستعمل في المستقبل انطلاقا من مقر منظمة OSCE في مدينة فيينا، حيث شاركت أيضا طيلة سنوات في المفاوضات مع الإيرانيين.

© www.deutschland.de