"مزيد من الحديث عن حرية الصحافة"

من خلال فيلم وثائقي يقدم عدد من مشاهير الصحفيين الاستقصائيين الألمان نظرة عن عملهم. هنا يتحدثون.  

باستيان أوبرماير (الثاني من اليسار)، إدوارد سنودن، فريديريك أوبرماير (لليمين)
باستيان أوبرماير (الثاني من اليسار)، إدوارد سنودن، فريديريك أوبرماير (لليمين) DOK.fest München/Hinter den Schlagzeilen

أوراق بنما، أوراق الجنة، فضيحة إيبيزا – العديد من الاكتشافات الصحفية الكبيرة في السنوات الأخيرة ترتبط بأسماء كل من باستيان أوبرماير وفريديريك أوبرماير. الصحفيان العاملان في جريدة "زود دويتشة" (SZ) استحقا العديد من الجوائز والتكريم على جهودهما الاستقصائية، ومن هذه الجوائز، جائزة بوليتزر. الفيلم الوثائقي "خلف العناوين" لدانييل زاغر يقدم نظرات متعمقة غير مألوفة إلى عمل الصحفيين.

 

 

 

باستيان أوبرماير (لليسار) وفريدريك أوبرماير
باستيان أوبرماير (لليسار) وفريدريك أوبرماير dpa

السيد أوبرماير، كيف كان الأمر بالنسبة لك كصحفي استقصائي باحث بين خفايا الأمور عندما أصبحت أنت فجأة بطلا للقصة أو الفيلم؟

فريدريك أوبرماير: لم يكن القرار سهلا بالنسبة لنا، للمشاركة في مثل هذا الفيلم. تخوفنا الأكبر كان من احتمال الكشف عن مصادرنا والتسبب بتهديدها. في الختام اقتنعنا بحجة أننا نعيش في زمن لا يمكن للصحافة فيه غالبا أن تكون شفافة بالقدر الكافي ولا يمكن شرحها بالقدر الكافي أيضا. هناك على سبيل المثال التصور بأن الصحفيين والصحفيات يتلقون معلومات هكذا، بشكل ما، مفاجئ وسريع، وينشرونها خلال بضع دقائق على الشبكة. في الواقع تمر عملية النشر بمراحل عديدة من التأكد من موضوعيتها وصحتها، كما نعطي كل طرف يتعرض للانتقاد أو الهجوم الفرصة للتوضيح والدفاع عن نفسه.  

في الفيلم يبدو الأمر متوازنا جدا، وحذرا وخاليا من المشاعر. ولكن التقارير الاستقصائية باتت اليوم تتم أيضا ضمن إطار الترفيه والتسلية. هنا يتذكر المرء فكاهيين من أمثال الأمريكي جون أوليفر أو الألماني يان بومرمان. ما هو رأيك في ذلك؟

باستيان أوبرماير: أرى أن المزيج بين الاستقصائية والترفيه ينجح في مثل هذه العروض بشكل جيد، وأنا أقدرها عاليا، أيضا لأن المرء يصل بهذه الطريقة إلى مجال أوسع من الرأي العام. لاشك في أن الموضوعات "الجافة" تواجه صعوبة في فرض نفسها في مثل هذه البرامج ، ولكن من حيث المبدأ فإن كل استقصاء إذا كان منجزا بشكل حرفي، ويتم تقديمه بشكل جيد باستطاعته أن يكون ممتعا وترفيهيا إلى أبعد الحدود. عندما يستفيد المرء من حقيقة القدرة على أن يُدهِش الناس. وهذا أيضا ما نحاوله. نحن نريد أن يقول الناس بعد القراءة: "هذا أمر لا يصدق!". بل إنني أعتقد أن هذا الذهول من الشكوى والمظالم، ومن تفاعلاتها ومن حجم المشكلة هو أمر ضروري، من أجل شد الانتباه بالقدر الكافي، خاصة في زمن يمكن لكل إنسان أن يشتت الانتباه باستمرار.   

نفكر في استقصاءاتنا لأسابيع وأشهر، بل لسنوات

فريديريك أوبرماير، صحفي استقصائي

لكن الوسائل التي تستخدمونها تختلف كل الاختلاف عن تلك الخاصة بالبرامج الترفيهية، أليس كذلك؟

فريديريك أوبرماير: أعتقد أنه من خلال التصوير بأكثر عاطفية وحيوية بالإمكان الوصول إلى جمهور مختلف، عن الذي نصل إليه بأسلوبنا المائل للجدية. هذا يقود بالمناسبة أيضا إلى أننا بالمقارنة نعمل بشكل بطيء نسبيا. على الرغم من أننا نعمل في جريدة يومية، إلا أننا نفكر في استقصاءاتنا لأسابيع وأشهر وربما لسنوات. لأننا ندرك أننا بحاجة إلى هذا الوقت كي نتمكن من الموضوع بشكل كامل، ونقوم بما يكفي من البحث ونقدمه بالشكل الصحيح.

صحفيون ومحررون يبحثون ويستقصون على مدى سنوات. هذا يحتاج إلى وسيلة إعلامية قادرة عل تمويل مثل هذه الأعمال.

باسيتان أوبرماير: كثير من الزملاء والزميلات باتوا يعانون من ضغط الوقت، ولم يعد لديهم ما يكفي من الإمكانات لإجراء التحقيقات والأبحاث الاستقصائية. على الجانب الآخر يتم في العديد من المؤسسات تأسيس إدارات للتحقيق والاستقصاء، لأن الوسائل الإعلامية أدركت أن القدرة على إجراء استقصاءات وتحقيقات متعمقة تفتح آفاق بيع جيدة. من حسن حظنا أن جريدة SZ توفر شروط العمل هذه.

هذا مع العلم أن فكرة المنافسة هذه لم تعد مناسبة لهذا العصر، أليس كذلك؟ العديد من الأبحاث والاستقصاءات الأكثر أهمية خلال السنوات الماضية لم تكن لتبصر الحياة بدون التعاون مع دور الإعلام المنافسة، وأولها ما يسمى قضية أوراق بنما، التي كانت مؤسستكم أول من تم تسريبها إليها. 

فريديريك أوبرماير: تحقيق مثل ذلك الذي طال أوراق بنما، بحجمه الهائل الذي يزيد عن أحد عشر مليون صفحة لم يكن بمقدور فرد أو جهة واحدة القيام به والكشف عنه، حتى مؤسسة إعلامية عالمية ضخمة مثل CNN. ولهذا السبب أيضا أمكن خلال السنوات الأخيرة متابعة اتجاه متزايد إلى العديد من أشكال التعاون. صحفيون وصحفيات يبحثون عن إمكانات التعاون، حيث تلاشت صورة الذئب الوحيد، وحلت مكانها عقلية القوة في التعاون. المشكلات العابرة للحدود يمكن مواجهتها فقط من خلال فرق عمل عابرة للحدود أيضا. أرى أنه من الرائع متابعة الكم الكبير من عمليات الكشف والتوضيح التي نجحت خلال الفترة الأخيرة. إلا أنه من المهم في المستقبل أيضا أن ينضم المزيد من الصحفيين والصحفيات من البلدان الناشئة والصاعدة إلى هذه الفرق. حاليا مازالت فرق وشبكات العمل مترسخة فقط في العالم الغربي.

نحن لا نُقَيّم قصصنا بمدى التقدير الذي يمكن أن تحصل عليه مستقبلا

باستيان أوبرماير، صحفي استقصائي

المدون المخبر إدوارد سنودان، الذي يظهر بشكل مختصر في الفيلم يصف نشر أوراق بنما بأنه عمل رائد حطم الحواجز. هل كنتم تتطلعون خلال استقصاءاتكم وأبحاثكم إلى تأثيرها المحتمل في المستقبل؟ 

باستيان أوبرماير: نحاول أن لا نُقَيّم قصصنا بمدى التقدير الذي يمكن أن تحصل عليه في المستقبل. نحن نشير إلى خطأ أو خلل ما، ولسنا مسؤولين ردود الأفعال التي تلي ذلك. ولكن هذا صحيح أيضا: شخصيا لا أعرف أي تحقيق كان له تأثير ملموس أكثر من أوراق بنما، لأنه باختصار يتناول العديد من البلدان: من استقالات واعتقالات لقادة حكومات وزعماء، مرورا بتحقيقات أخرى، وصولا إلى قوانين جديدة تهدف إلى الحد من غسيل الأموال. بالمناسبة لقد فاجأتنا فضيحة إيبيزا بنتائجها ومفاعيلها. لم نكن نتوقع هذا الكم الكبير من ردود الأفعال. في اليوم التالي للنشر تظاهر الآلاف أمام مقر الحكومة النمساوية، هاينز-كريستيان شتراخة اليميني الشعبوي ونائب المستشار اضطر لتقديم استقالته، وارتفعت الأصوات المطالبة بانتخابات جديدة. ولكن ليس بالإمكان، وليس من الصحيح أن يتوقع المرء مثل هذه التبعات.  

باستيان أوبرماير في موقع الاعتداء القاتل على دافنة كوروانا غاليزيا
باستيان أوبرماير في موقع الاعتداء القاتل على دافنة كوروانا غاليزيا DOK.fest München/Hinter den Schlagzeilen

كلما ازداد تأثير إحدى القصص أو الموضوعات تزداد المخاطر التي يمكن أن يواجهها الصحفيون والصحفيات الذين يعملون عليها. في تشرين الأول/أكتوبر 2017 تعرضت إحدى زميلاتك، الصحفية دافنة كاروانا غاليزيا في مالطا للقتل بانفجار سيارة.

فريديريك أوبرماير: مع الأسف منذ فترة طويلة يواجه في الواقع العديد من زملائنا وزميلاتنا مخاطر وتهديدات حقيقية. عملية الاغتيال البشعة التي تعرضت لها دافنة بينت أننا مازلنا بحاجة لمزيد من الحديث عن حرية الصحافة، وعن كيفية الدفاع عنها. عندما يصف قادة دول على سبيل المثال صحفيين بأنهم أعداء الأمة. هنا يتم التمهيد فعليا لممارسة العنف. إنه تطور سيء وخطير، يتوجب علينا نحن الصحفيين وعلى المجتمع بأسره أيضا مواجهته.

 © www.deutschland.de