الأمنُ يبدأ من الفضاء
من دون الأقمار الاصطناعية، لن يكون هناك إنترنت، ولا ملاحة، ولا دفاع حديث. لماذا تُوسِّع ألمانيا برنامجها الفضائيّ إستراتيجيًا؟
في جزيرة أندويا، الواقعة عند الحافة الشمالية لأوروبا، تصطبغ السماءُ باللون الرماديّ، ويتسم الساحلُ بالوعورة، وتكتسي الأرضُ بالجليد. سيصبح مركزُ الفضاء الواقع على هذه الجزيرة الصغيرة قبالة الساحل النرويجيّ -خلال زيارة المستشار الألماني فريدريش ميرتس ورئيس الوزراء النرويجيّ يوناس غار ستوره في مارس/آذار 2026- رمزًا لمرحلةٍ جديدة من التعاون الأوروبيّ في مجال الفضاء. وتعتزم ألمانيا والنرويج تعميقَ تعاونهما في استكشاف الفضاء، بهدف تأمين الاتصالات عبر الأقمار الاصطناعية، وتعزيز قدرات الاستطلاع، وتوسيع استقلال أوروبا التكنولوجيّ.
Dieses YouTube-Video kann in einem neuen Tab abgespielt werden
YouTube öffnenمحتوى ثالث
نحن نستخدم YouTube، من أجل تضمين محتويات ربماتحتوي على بيانات عن نشاطاتك. يرجى التحقق من المحتويات وقبول الخدمة من أجل عرض هذا المحتوى.
فتح تصريح الموافقةتُعدّ هذه الزيارة مثالاً نموذجيًا على صناعةٍ تمر بمرحلةٍ انتقالية: تشهد صناعةُ الطيران والفضاء الألمانية طفرةً كبيرةً، في قطاعيها المدنيّ والعسكريّ. وتسير الشركاتُ ومعاهدُ الأبحاث الراسخة على طريق النمو، كما تنضم المزيد والمزيد من الشركات الناشئة بكثيرٍ من الروح الرائدة إلى هذا المسار.
تقنياتٌ محوريةٌ إستراتيجية ذاتُ أهميةٍ عالمية
يتمتع الأساسُ التكنولوجيُّ في الصناعة بأهميةٍ قصوى؛ إذ يجمع كلَ التقنيات المحورية الإستراتيجية تقريبًا، بدءًا من الطائرات المُسيَّرة وحتى بناء الأقمار الاصطناعية. وقد باتت قدراتُه الآن لا غنى عنها لتجهيز الجيش الألماني وحلفائه في ظل الوضع الأمني العالمي المتوتر؛
على سبيل المثال، في تطوير كوكبة الأقمار الاصطناعية الأوروبية (آيريس²) للاتصالات الموثوقة والمرنة. وتهدف الكوكبةُ المُكوَّنةُ من نحو 300 قمرٍ اصطناعيٍّ صغير إلى إنشاء نظيرٍ أوروبيٍّ لنظام ستارلينك الأمريكيّ – وهو شبكةٌ في المدار يمكنها العمل باستقلالية عن القوى العالمية الأخرى. تشارك في المشروع شركاتٌ ألمانيةٌ، مثل شركة تصنيع الأقمار الاصطناعية أو إتش بي (OHB) من بريمن وشركة إيرباص للدفاع والفضاء ومقرها ميونيخ. كما يُعتبر تطوير نظام دفاع جوي شامل أحد التحدّيات الرئيسية للحماية العسكرية لأوروبا ضد الهجمات. وهنا يؤدِّي نظامُ الدفاع الجويّ آيريس-تي (IRIS-T) من ديهل (Diehl) دورًا حاسمًا: إنه يُرسِّخ نفسَه حاليًا معيارًا أوروبيًا للدفاع ضد الأجسام الطائرة على ارتفاعٍ يتراوح بين ستة كيلومترات و35 كيلومترًا، وهو ما يُعرف باسم طبقة الاعتراض الوسطى؛ على وجه التحديد حيث تكون سيناريوهات التهديد الحالية واقعيةً بشكلٍ خاص.
إستراتيجيةُ الأمن الفضائيّ الألمانية استجابةً للتهديدات العالمية
استجابت الحكومةُ الألمانية في نهاية عام 2025 ومن خلال أول إستراتيجيةٍ لها للأمن الفضائي، للأهمية المتزايدة للفضاء في السياسة الأمنية. لم يعد يُنظَر إلى الفضاء كموقعٍ للبحوث السلمية فحسب، بل أصبح أيضًا ساحةً للتنافس الجيوسياسيّ. جاءت هذه المراجعة نتيجةً لأسبابٍ عدة من بينها الهجمات الروسية على الاتصالات المدعومة بالأقمار الاصطناعية في أوكرانيا. لقد سلّطت هذه الهجمات الضوءَ على هشاشة المجتمعات الحديثة. وتهدف الإستراتيجيةُ إلى ضمان قدرة ألمانيا العملياتية طويلة الأمد في الفضاء، مدنيةً كانت أم عسكرية، وفي أوقات السلم والأزمات على حدٍ سواء.
ترتكز الإستراتيجيةُ على نهجٍ وطنيٍّ شامل يجمع بين الجهات الفاعلة المدنية والحكومية والعسكرية. ويشمل حمايةَ البنية التحتية الحيوية، وتطوير القدرات المحلية، وتعزيز القدرة على الصمود في وجه التهديدات المتزايدة. وتُعدّ إستراتيجية الجيش الألمانيّ للفضاء هي الجوهر والعنصر الأساس. وهي تنطوي على الوعي الظرفيّ الفضائيّ، أي المراقبة والتقييم المستمران للأجسام والأنشطة في المدار، وتوسيع نطاق الاتصالات الآمنة عبر الأقمار الاصطناعية، وقدرات الاستطلاع المستقلة لإعداد تقارير موضوعية عن الوعي الظرفيّ. في الوقت نفسه، تتبلور أهمية حماية هذه الأنظمة، سواءٌ من التهديدات المادية أم الهجمات الإلكترونية والعمليات السيبرانية. على الصعيد التنظيمي، تعمل قيادةُ الفضاء التابعة للقوات المسلحة الألمانية في أوديم، شمال الراين-وستفاليا، على تعزيز هذه القدرات، وتُشكّل حلقة وصلٍ مع حلف الناتو وشركائه، بينما تُعزز البرامجُ الأوروبيةُ مثل "آيريس²" و"جوفساتكوم"، بالإضافة إلى علاقات التعاون مع مُزوِّدي الخدمات التجارية، السيادةَ التقنية.
تلتزم الحكومةُ الألمانية في الوقت نفسه بالتعاون الوثيق مع الشركاء الأوروبيين وحلفاء الناتو لوضع قواعد مشتركة للاستخدام المسؤول والمستدام للفضاء. ونظرًا للأهمية البالغة للخدمات القائمة على الأقمار الاصطناعية في الاتصالات والملاحة والتنبؤات الجوية، يُصبح أمنُ الفضاء شرطًا أساسيًا للأمن والازدهار والفعالية السياسية.
مُحرِّكٌ اقتصاديّ وسلعةٌ رائجةٌ للتصدير
لا عجب إذنْ في أن تُعايش شركاتُ الطيران والفضاء الألمانية نموًا متزايدًا؛ إذ تفيد تقارير رابطة صناعات الفضاء الألمانية (BDLI) بأن مبيعات الصناعة شهدت ارتفاعًا من 46 إلى 52 مليار يورو في عام 2024. كما ارتفع عددُ العاملين في القطاع من 115 ألفًا إلى 120 ألفًا. وتوقُّعات المستقبل: جيدةٌ جدًا.
مع العلم بأن الفضاء والدفاع الجوي ليسا المجالين الوحيدين في هذه التطورات. بدوره يشهد قطاعُ الطيران المدني تعافيًا ملحوظًا من الركود المرتبط بالجائحة في السنوات الأخيرة. كثيرٌ من شركات الطيران تعمل على تجديد أسطولها الجوي وتوسيعه. سجَّلت شركة إيرباص على هامش معرض باريس الجوي، المعرض التجاري الأهم في مجال الطيران على مستوى العالم، رقمًا قياسيًا تاريخيًا في الطلبات في شهر يونيو/حزيران 2025: لقد حصلت مجموعة الطيران الأوروبية، التي تمتلك ألمانيا وفرنسا حصصًا كبيرةً فيها، على 250 طلبًا وعقدًا أوليًا لشراء طائرات نفاثة وطائرات شحن. ومن بين العملاء شركة طيران الرياض من المملكة العربية السعودية، وشركة فيت جيت من فيتنام، وشركة الطيران الحكومية البولندية "لوت".
يعكس هذا الأمر القوةَ الدوليةَ لصناعة الطيران والفضاء الألمانية، التي تبلغ نسبةُ الصادرات فيها نحو 70 في المائة. "الطيران والفضاء هما الصناعة المستقبلية في ألمانيا. تشهد شركاتنا نموًا مستمرًا، على عكس الاتجاه العام، وتساهم بشكلٍ حاسم في سيادة ألمانيا وقدرتها التنافسية العالمية"، يقول ميشائيل شولهورن، رئيسُ رابطة صناعات الفضاء الألمانية.
دورُ ألمانيا في وكالة الفضاء الأوروبية
تُشكِّل ألمانيا العمودَ الفقريَّ لوكالة الفضاء الأوروبية (ESA)، التي احتفل أعضاؤها الثلاثة والعشرون للتو بالذكرى الخمسين لتأسيسها. من خلال ما يزيد عن 20 في المائة من موارد الميزانية، تُعدّ ألمانيا المساهمَ الأكبرَ في وكالة الفضاء الأوروبية، متقدمةً على فرنسا، كما أنها شريكٌ قويٌّ في محطة الفضاء الدولية (ISS). لقد سافر العديدُ من رواد الفضاء الألمان بالفعل إلى الفضاء، ومنهم توماس رايتر، وألكسندر غيرست، ومؤخرًا رابيا روغه، بصفتها باحثةً علمية.
تقع العديد من المرافق المركزية لوكالة الفضاء الأوروبية في ألمانيا: مركز العمليات الفضائية الأوروبي (ESOC) في دارمشتات، ومركز رواد الفضاء الأوروبي (EAC) في كولونيا، ومركز التحكم كولومبوس التابع لمركز الرحلات الجوية والفضائية الألماني (DLR) في أوبربفافنهوفن، وموقع اختبار الدفع الصاروخي في لامبولدسهاوزن.
وتُستخدَم الخبرةُ الفنيةُ التي تمتلكها هذه المؤسسات في التحكُّم في البعثات المُعقَّدة، مثل مسبار جوس (JUICE) الذي يتخذ مساره حول المشتري، واختبار أنظمة الإطلاق الجديدة مثل أريان 6، والتحضير لرحلات الفضاء المأهولة في المستقبل. وتضمن ما تُسمَّى "العودة الجغرافية" لوكالة الفضاء الأوروبية، والتي يُقصَد بها منحُ العقود مرةً أخرى للدول الأعضاء المُشارِكة، أن الصناعة الألمانية تستفيد أيضًا بشكلٍ مباشر من هذه الاستثمارات.
Dieses YouTube-Video kann in einem neuen Tab abgespielt werden
YouTube öffnenمحتوى ثالث
نحن نستخدم YouTube، من أجل تضمين محتويات ربماتحتوي على بيانات عن نشاطاتك. يرجى التحقق من المحتويات وقبول الخدمة من أجل عرض هذا المحتوى.
فتح تصريح الموافقةمركز الإبداع بافاريا
تعتبر ولاية بافاريا، وخاصةً منطقة ميونيخ الكبرى، مركز صناعة الطيران والفضاء الألمانية. تستقر هنا شركاتٌ ضخمةٌ، مثل إيرباص وشركة تصنيع المحركات إم تي يو (MTU)، فضلاً عن عددٍ من الشركات الناشئة، التي تعيد حاليًا تشكيلَ ملامح السوق. على سبيل المثال، شركة تصنيع الطائرات المُسيَّرة كوانتوم سيستمز، أو شركة الذكاء الاصطناعي الناشئة هيلسينج.
تُركِّز الصناعةُ بشكلٍ خاص على دعم ما تُسمَّى بالشركات الناشئة في مجال "الفضاء الجديد". تعمل مثلاً شركة إيزار إيروسبيس تكنولوجيز، ومقرها في أوتوبرون بالقرب من ميونيخ، على تطوير مركبات إطلاق تهدف إلى إيصال أقمار اصطناعية أصغر حجمًا إلى الفضاء بتكاليف أقل بكثير من ذي قبل. ويساهم صندوق الابتكار الجديد التابع لحلف شمال الأطلسي أيضًا في التمويل.
Dieses YouTube-Video kann in einem neuen Tab abgespielt werden
YouTube öffnenمحتوى ثالث
نحن نستخدم YouTube، من أجل تضمين محتويات ربماتحتوي على بيانات عن نشاطاتك. يرجى التحقق من المحتويات وقبول الخدمة من أجل عرض هذا المحتوى.
فتح تصريح الموافقةفاعلون جدد على خط البداية
ثمة جهاتٌ فاعلةٌ أخرى تساهم في إثارة أجواء التفاؤل: تعمل شركة روكيت فاكتوري أوغسبورغ على تطوير آر إف إيه وان (RFA One)، وهو نظام صاروخي معياري يتمتع بملاءمة عالية للإنتاج التسلسلي. وتختبر شركة هاي إمبولسه (HyImpulse) حاليًا محركاتٍ هجينة ذات مخاطر انفجار منخفضة. وتتخصَّص شركة إكسو لونش (Exolaunch) في برلين في نقل ودمج الأقمار الاصطناعية الصغيرة، في حين توفر شركة أورورا تك (OroraTech) أنظمة الإنذار المبكر لحرائق الغابات باستخدام أقمارها الاصطناعية الصغيرة، وهي الآن أيضًا جزءٌ من برنامج مراقبة الأرض الأوروبي كوبرنيكوس.
ومن أجل الحفاظ على هذا الزخم، تدعو رابطة صناعات الفضاء الألمانية (BDLI) إلى توفير دعم سياسي أقوى واستثمارات مستهدفة في مواقع الفضاء وشبكات الابتكار على المدى الطويل. ومن شأن هذا أن يمكِّن السفر الألماني إلى الفضاء من الحفاظ على قدرة المنافسة على المستوى الدولي لسنواتٍ قادمة، ويُقدِّم في الوقت نفسه مساهمةً حاسمةً في الاستقلال الإستراتيجي لأوروبا.